الميقات

وجوب الإحرام من الميقات
من الأمور الهامّة في الحجّ والعمرة[1]، معرفة مواقيت الإحرام، ذلك أن عقد الإحرام من مصاديق إتمام الحج والعمرة، وهو ـ أي الإتمام ـ ما جاء الأمر الإلهيّ به[2]، جاء في الحديث: «من تمام الحجّ والعمرة أن تحرم من المواقيت...».[3]
والميقات مكانٌ خاص، والمواقيت أماكن محدّدة عيّنها رسول الله(صلي الله عليه و آله) على أساس الوحي الإلهي لأهل الأقاليم، والجدير ذكره أنّ رسول الله(صلي الله عليه و آله) حدّد مواقيت لأهل أفريقيا، وأهل الشام والعراق، يُحرمون منها عند ورودهم الحرم الشريف مع أنّه لم يكن بعدُ قد تشرّف أحد في تلك الديار بشرف الإسلام، بل إنّ المدن الرسمية والمعروفة في العراق لم تكن ـ وفق بعض المنقولات ـ قد ظهرت بعدُ عند تحديد النبي(صلي الله عليه و آله) للمواقيت.[4]
والمواقيت الخاصّة المحدّدة خمسة أو ستة، إلاّ أنّ المواضع التي يصحّ فيها الإحرام للحجّ والعمرة تبلغ العشرة تقريباً، وللمواقيت المعينة خصوصية، أنّها المكان الوحيد المناسب لحدوث الإحرام فيه، فلا يجوز تقديم الإحرام عنها أو تأخيره، أللّهم إلاّ في حال الضرورة أو النذر أو لإدراك إحرام شهر رجب.
والجدير ذكره أن الدخول إلى الحرم لا يجوز إلا محرماً، ليس هذا فحسب، بل إن العبور عن المواقيت لمن يقصد الحرم لا يجوز له إلاّ في حال الإحرام أيضاً.
والميقات لا يقبل التغيير، تماماً كسائر المواقف مثل عرفة والمشعر ومنى، وإذا ما صار جزءاً من قرية أو مدينة نتيجة حصول توسعة فيهما يبقي له حكمه دون تعديل، فالتنعيم مثلاً ـ وهو أحد مواقيت العمرة ـ كان سابقاً خارج حدود مكّة، إلاّ أنّه غدا اليوم ـ بعد اتساع المدينة ـ داخلها، ومع ذلك لم يخرج عن صفة الميقات التي كان يملكها.
وثمّة أفكار كثيرة يمكن استفادتها من النصوص الواردة في بيان المواقيت، نحاول هنا الإشارة إلى بعضها وهي:
1 ـ إنّ تعيين الميقات المكاني إنما نشأ ـ كالميقات الزماني ـ من جانب الشارع المقدّس وطبقاً للسنّة الدينية، لا من ناحية عادات الناس.
2 ـ إنّ تعيين مواقيت لأبناء بعض البلدان والمدن التي لم تكن قد ظهرت بعدُ، أو لأناس لم يكونوا قد دخلوا في الإسلام هو ـ كما أشرنا من قبل ـ إعجاز ديني.
3 ـ للأحكام الشرعية كافة أصل في الوحي الإلهيّ، مع أنّه لم تبيّن علل كلّ حكم معه، إلاّ أنّ بعض المواقيت، مثل ذي الحليفة قد جاء فيه: «قلت لأبي عبدالله(عليه السلام): لأيّ علّة أحرم رسول الله(صلي الله عليه و آله) من مسجد الشجرة ولم يُحرم من موضع دونه؟ فقال: لأنّه لما أسري به إلى السماء وصار بحذاء الشجرة نودي يا محمد! قال: لبيك، قال: ألم أجدك يتيماً فآويتك، ووجدتك ضالاً فهديتك؟ فقال النبيّ(صلي الله عليه و آله): إنّ الحمد والنعمة والملك لك كلها لا شريك لك، فلذلك أحرم من الشجرة دون المواضع».[5]
ورغم ما للميقات من حرمة خاصّة، إلاّ أنّ تلك المكانة إنّما أخذها من كونه موضعاً للإحرام، وحيث قام الإسلام على السهولة والسماحة، لا سيّما في الحجّ والعمرة حيث لا تكرار فيهما يومياً كالصلاة حتى تكون أحكامه عند الجميع.. من هنا فلو تجاوز شخص عن غفلة أو قصور أو ذهول أو سهو ونسيان عن موضع الإحرام وميقاته دون أن يحرم، ثمّ دخل الحرم وهو على هذه الحال، وأنجز تمام أعمال الحجّ والعمرة طبقاً للضوابط المعهودة، ثمّ التفت آخر العمل أنّه لم يعقد الإحرام، كانت أعماله بتمامها صحيحةً، فلا حاجة له إلى الإعادة أو القضاء.
 
 
[1]. الحجّ في اللغة، القصد المكرّر، أما في الإصطلاح، فيُقصد به إنجاز الأعمال الخاصة في أيّام محدّدة في أرض مكة المكرّمة.
أما العمرة، فتعني في اللغة الزيارة، واعتمرَ أي زار (مجمع البحرين 2: 1270، مادة: عمر)، وحيث كانت الزيارة باعثةً على عمران مكانها ومحلّها، سمّيت زيارة بيت الله الحرام عمرةً واعتماراً.
والحجّ والعمرة أعمالٌ تعبّدية، لا توصلية ; حيث يستفاد ذلك من تعبير «لله» الوارد في قوله تعالى: {وَ أَتِمُّوا الْحَجَّ وَ الْعُمْرَةَ لِلّهِ...} (البقرة: 196) نعم، لهذه الأعمال العبادية منافع أيضاً، قال سبحانه:{وَ أَذِّنْ فِي النّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالاً وَ عَلى كُلِّ ضامِر يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجّ عَمِيق لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ} (الحج: 27 ـ 28)، و هو أمرٌ لا ينافي العبادية، كما لا يستلزم التوصلية.
ويقع الحجّ على أنواع ثلاثة: التمتّع، والقران، والإفراد; فحجّ التمتّع مركّب من عبادتين: إحداهما عمرة التمتّع، وثانيتهما حج التمتّع، أمّا عمرة التمتّع فتقدّم على حجّ التمتّع، وتتألّف من خمسة أجزاء هي: 1 ـ الإحرام 2 ـ الطواف حول الكعبة. 3 ـ صلاة الطواف. 4 ـ السعي بين جبلي الصفا والمروة. 5 ـ التقصير، أي أخذ مقدار من شعر الرأس أو الأظافر.
ويتألّف حج التمتّع من ثلاثة عشرة عملاً هي: 1 ـ الإحرام من مكّة. 2 ـ الوقوف بعرفات. 3 ـ الوقوف بالمشعر الحرام. 4 ـ رمي جمرة العقبة في منى. 5 ـ ذبح الأضحية في منى. 6 ـ حلق الرأس في منى أو تقصيره. 7 ـ طواف الزيارة في مكّة. 8 ـ صلاة الطواف. 9 ـ السعي بين الصفا والمروة. 10ـ‌طواف النساء. 11 ـ صلاة طواف النساء. 12 ـ المبيت في منى ليلتي الحادي عشر والثاني عشر من ذي الحجّة، وبعض الحجّاج يجب عليه المبيت ليلة الثالث عشر أيضاً. 13 ـ رمي الجمرات الثلاث في يومي: الحادي عشر والثاني عشر، وعلى من بات في منى ليلة الثالث عشر أن يرجم صبيحتها أيضاً.                                                    `
a أمّا العمرة المفردة، فإضافةً إلى الأعمال المتقدّمة في عمرة التمتّع، هناك عملان آخران واجبان فيها هما: طواف النساء، وصلاة طواف النساء، ويجب إنجاز هذين العملين بعد الحلق أو التقصير.
وللتعرّف على أجزاء هذه العبادات وشرائطها تراجع كتب مناسك الحج.
[2]. البقرة: 196.
[3]. وسائل الشيعة 8: 222.
[4]. يقول الإمام الصادق7: «فإنّه وقّت لأهل العراق ولم يكن يومئذ عراق» انظر: وسائل الشيعة 8: 222.
[5]. وسائل الشيعة 8: 225.