الحرم الإلهي

الحرم موضع مكاني محدّد، يختلف بُعد حدوده عن الكعبة من الجهات المتعدّدة، فيحدّه من ناحية الشمال والشمال الغربي مسجد التنعيم على طريق المدينة، ومن الجنوب والجنوب الشرقي «إضاءة اللبن» على مسير اليمن، ومن الشرق والشرق المائل إلى الجنوب «الجعرانة» القريبة من منى والمشعر الحرام على طريق الطائف، ومن الغرب والغرب الشمالي «الحديبية» على مسير جدّة.
وقد وُضعت لتعيين حدود الحرم من الأطراف كافّة علائم وعلامات.
ويجيب الإمام علي بن موسى الرضا(عليه السلام) عن سؤال وجّه إليه عن سبب اختلاف حدود الحرم في بعدها عن الكعبة من الجهات المتعدّدة، ففي بعضها قريبة وفي بعضها أبعد؟: «إنّ الله عزّ وجلّ لمّا أهبط آدم من الجنّة هبط على أبي قُبيس، فشكا إلى ربّه الوحشة، وأنّه لا يسمعُ ما كان يسمعه في الجنّة، فأهبط الله عزّ وجلّ عليه ياقوتةً حمراء، فوضعها في موضع البيت، فكان يطوف بها آدم، فكان ضوؤها يبلُغُ موضع الأعلام، فيعلّم الأعلام على ضوئها وجعله الله حرماً».[1]
وقد نقل هذا المضمون بطريقة أخرى عن الإمام الباقر(عليه السلام)، وطبق هذا النقل، فإنّ الله تعالى أمر جبرئيل; لتسكين آدم(عليه السلام) وحواء، بالذهاب إليهما، «فأهبط عليهما بخيمة من خيم الجنّة.. وأنصب الخيمة على التُرعة..»، ويضيف الإمام الباقر(عليه السلام) ما هو قريب من الرواية السابقة: «الترعة مكان البيت.. وكان عمودُ الخيمة قضيب ياقوت أحمر، فأضاء نوره وضوؤه جبال مكّة وما حولها.. فهو مواضعُ الحرم اليوم من كلّ ناحية من حيث بلغ ضوءُ العمود.. فجعله الله حرماً لحُرمة الخيمة والعمود; لأنّهما من الجنّة..».[2]
أمن الحرم
لقد أحيا النبي إبراهيم(عليه السلام)، وهو شيخ الأنبياء الإبراهيميين، سنّةً وسيرةً، إلا أنّ بعض أعماله وبعض مناجاته تعدّ من جوامع الكلم، فطلبه صيرورة هذا المكان بلداً، وأمناً مطلقاً، ومجمعاً لثمار مختلفة من أقطار العالم، والتنبؤ بصيرورة مكان غير ذي زرع أمَّ القرى وغيرها من الكلمات الجامعة له(عليه السلام)، ذلك كله يقع في صراط تأسيس نظام التوحيد، ونشر الإيمان والعمل الصالح، والقيام بتنمية شاملة للمعارف العقائدية، والأخلاقية، والاجتماعية، والسياسية، ذلك أنّها إذا كانت موضعاً لسكان أرضها الآمنة فحسب لم تكن ـ أبداً ـ أمّ القرى، فنواحيها ليست بالمكان الآمن، وقطّاع الطرق في عمق الصحراء المحيطة سوف يقطعون أيّ نوع من أنواع الارتباط، مما سيمنع تردّد أبناء الأطراف المحيطة إليها، كما لن تصل محاصيل أطرافها من القريب والبعيد إليها، ولن تكون سوقاً رسمية.
يمكن للحرم الإلهي وأرض مكّة أن تحمل على عاتقها مسؤولية العالمية بل العولمة الصحيحة، وذلك:
أولاً:توفير مايمكّنها من أن تصير أمّ القرى، وتبعيّة نواحيها لها، ورغبة الناس وشوقهم للمجيء إليها.
ثانياً:إنها مركز التوحيد، أي أنّها تستوعب بين جنباتها الكعبة، وهي القبلة والمطاف أيضاً.
ثالثاً:وصول نداء باني الكعبة، نبينا إبراهيم(عليه السلام) الذي بناها بأمر من الله تعالى، وهو صاحب البيت، ذاك النداء الداعي للحضور إلى ساحة هذا البيت بغية الحج والعمرة... وصوله إلى أسماع العالم بأقطاره ونواحيه، ومن الثابت أنّ فضيلةً عظيمةً معدّة لامتثال هذا الأمر الإلهي الإلزامي.
إن سرّ تقديم الأمن على الدعوة إلى الحجّ والعمرة، وعلى جلب أنواع الثمار من النواحي القريبة والبعيدة إلى هذه الأرض الطيبة هو أن الأمن أطيب النعم الفردية والاجتماعية للإنسان وأجملها وأحبّها إلى قلبه، ففي ظلّ الأمن تتحقق سائر البركات المفقودة، كما أن فقدانها يصاحبه زوال هذه النعم الموجودة.
ومن أبرز مصاديق الأمن ومظاهره، الأمن الثقافي والفكري، ووجود مناظرات ثقافية سليمة; ذلك أن الحوار وتضارب الآراء، والصبر على آراء الآخرين العلمية المنصفة، يلعب دوراً رئيساً في وضوح الحق وجلائه، ومحو الباطل واندثاره.
لقد كان إبراهيم(عليه السلام) رائداً في الحوارات العلمية، وفي الجدال بالتي هي أحسن، بل في تمام الخصال والسجايا الأخلاقية الكبرى، وقد كان الأئمة المعصومون من نسل طه وأسرة ياسين(صلي الله عليه و آله) يعتبرون جوار الكعبة مدرسةً للحكمة ومعهداً للجدال بالتي هي أحسن.
إشارة:كانت الكعبة في بنائها الأصلي موجودةً منذ عصر آدم الصفي(عليه السلام)، لكنّها انهدمت تدريجياً وتركت، وتمّ تجاهلها إلى أن بناها إبراهيم(عليه السلام) خليل الرحمن، وما حصل على صعيد بنائها وبنيانها حصل أيضاً ـ كما تشهد به بعض المعطيات الروائية ـ على صعيد الأمن فيها والأمان، فقد كانت الكعبة مكان آمناً في البداية، ثمّ فقدت أمنها تدريجياً، ليعود لها مرّةً أخرى مع النبي إبراهيم(عليه السلام).
وهنا، يجدر الاهتمام بأنّ دعاء النبي إبراهيم(عليه السلام) قد حقّق لأرض مكّة أمنها وأمانها، لا للكعبة وحدها، وإلاّ فأمن الكعبة لم يتحقق بطلب إبراهيم(عليه السلام) وإنّما صار أن جعلها الله منذ البداية مثابةً ومطافاً، وقبلةً، وأمناً.
وأمن الحرم على قسمين: تشريعي، وتكويني، وسوف يتكفّل ببيان هذين النوعين من الأمن المبحثان التاليان.
1 ـ الأمن التكويني
وفقاً لظواهر الأمور، يفترض بأرض مكة أن تكون أرضاً غير آمنة، ذلك أن طبع أبناء الحجاز من جهة كان على الاعتداء والغارة، كما أنّهم ـ من جهة أخرى ـ ما كانوا ينعمون بالعلم، والثقافة، والزراعة، وتربية المواشي، والصناعة و.. بل إن الشعب الفاقد للثقافة والجائع في الوقت عينه من الطبيعي أن يكون عدوانياً يعيش على الهجمات والغارات.
إلا أنّه، رغم ذلك كلّه، قال تعالى:( أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِن لَّدُنَّا)[3]وقال: (وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا).[4]
وطبقاً للمبدأ عينه، عاشت قريش النعمة والأمن من الجوع والخوف، قال سبحانه: (أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ ).[5]
ويحدّثنا الله تعالى عن الأمن التكويني للحرم فيقول: (وَقَالُوا إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا )[6]، كما أنّ الله تعالى يحدّثنا عن مكّة كيف كان خطف الناس رائجاً في أطرافها، لكنّ الله جعل أرضها حرماً آمناً، لا لأنّ سكّان الحرم الإلهي ومدينة مكة قد غدوا أناساً صالحين، بل لأنّ الناس تفهم حرمة الحرم وتقوم بحقه، قال تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ)[7]، وحيث كان الخطف أمراً تكوينياً فإن الأمن الذي يقابله سيكون تكوينياً أيضاً.
ويستفاد جيداً من الآيات المذكورة المرتبطة بعصر الجاهلية أن خطر الهجمات والغارات والخطف وقطع الطرق كان قائماً خارج نطاق الحرم، أمّا في الحرم فلم يكن كذلك، فحكم الأمن تشريعاً إنما جاء بعد الإسلام، والقرآن الكريم عندما يذكر الأمن في الحرم في العصر الجاهلي إلى زمان الإسلام وإلى ما بعده أيضاً فإنما يقدّم ذلك شاهداً ومستنداً له.
يقول الإمام الصادق(عليه السلام) حول أمن الحرم: «من دخل الحرم من الناس مستجيراً به فهو آمن، ومن دخل البيت مستجيراً به من المذنبين فهو آمن من سخط الله، ومن دخل الحرم من الوحش والسباع والطير فهو آمنٌ من أن يُهاج أو يؤذى حتى يخرج من الحرم».[8]
ولابدّ من الالتفات إلى أن الإعلان عن أمن الحرم المكي لا يعني حرية أيّ إنسان في أن يقوم بما يشاء فيه، ذلك أنّ الله تعالى يحدّثنا عن أناس كانوا يعيشون بأمن في بلادهم غير أنّ الله أغرقهم بالخوف والجوع والاضطراب إثر كفرهم بنعمه، قال تعالى: (وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ).[9]
وعليه، فالأمن التكويني للحرم لا يعني أنّه لا تقع فيه مذابح ومظاهر قتل، بل بمعنى أنّ الله سبحانه جعل هذه الأرض ـ على أساس من لطفه ـ مأمناً، أمّا لو ضلّ الناس فيها سبيلهم، فإن الله ينزل عليهم العذاب.
ومن خصائص مكّة أنّه لا يمكن لحكم ظالم جائر أن يدوم عليها لسنين طويلة، نعم، من الممكن لدولة في الحجاز مع عاصمة مثل الرياض أن تقوم ببعض ألوان الظلم الفردي أو الاجتماعي، إلاّ أنّه لا يمكن في مكّة ممارسة ظلم إلحادي ذي صبغة كافرة، ذلك أن الآية الشريفة: (وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ)[10]، تهدّد خصوص من يقوم بذلك، أي بالظلم الإلحادي، لا غيره، وفي خصوص الحرم لا خارجه، والظلم الحقوقي بالأشخاص الحقيقيين أو الحقوقيين مغايرٌ للظلم الإلحادي الذي يصاحبه كفرٌ وإلحاد.
وحصيلة الكلام، ليست مكّة كالجنة لا يقع فيها معصية أو انحراف[11]، إلا أنّها ـ مع جريان أحكام الدنيا عليها ـ تمتاز عن كثير من البقاع في الأرض، ومن جملة هذه الامتيازات أنّه لو أراد بها شخص سوءاً عن ظلم وكفر فسوف يلقى عذاباً شديداً.[12]
ومن الجدير ذكره، أنّ الأمن التكويني للحرم نسبيّ بلحاظ مكّة، ونفسيّ بلحاظ الكعبة، بمعنى أنّه من الممكن لله تعالى أن يعاقب في مكة لينبّه الكافرين والمذنبين، إلاّ أنّه لا يمكن لأحد أن يواجه أصل الكعبة ـ وهي قبلة المسلمين ومطافهم ـ وإذا ما خرّب بعض المعاندين ـ في بعض حقب التاريخ البشري ـ الكعبة فهو لكي يلقوا القبض على بعض المتحصّنين بها، لا لمواجهتها ومحاربتها نفسها، من هنا أقدموا مرّتين على إعادة بنائها.
2 ـ الأمن التشريعي
يجمع دعاء النّبي إبراهيم(عليه السلام)، والذي طلب فيه من الله سبحانه الأمن والخير الإقتصادي لمكّة وساكنيها، بين التكوين والتشريع، قال تعالى:(رَبِّ اجْعَلْ هََذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ).[13]
إن الأمكنة والأزمنة المرتبطة بالدين هي المعتمد الوحيد لأمن البشر، والأشياء، والأفراد، من هنا جعل الله سبحانه بعض البلاد، والأزمنة، والأشخاص، والأشياء معالم أمن، تماماً كما أعلن احترام الحجّ بأطرافه عادّاً له من الشعائر الإلهية بغية بيان هذا الأمن وتثبيته شاملاً لأطراف الحرم وسكانه وزوّاره.
قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللّهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلآئِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا).[14]
وعلى هذا الأساس، أصدرت قوانين عديدة لحفظ الأمن ومطابقة التشريع للتكوين، مثل حرمة حمل السلاح حال الإحرام، إلاّ مع الضرورة، وكذا حرمة إظهار السلاح في غير حال الإحرام بحيث يسبّب ذلك إحساساً بعدم الأمن لدى زوار بيت الله الحرام.
والأمن التشريعي للحرم محفوظ دوماً، فلا يجوز خرق حرمة الحرم إلاّ في فترة محدودة هي فتح مكّة، أللّهمّ إلاّ إذا هاجم الآخرون المسلمين، وكسروا حرمة الحرم، فيجوز عندها سلب الأمن عنهم، على أساس قوله تعالى: (وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ)[15]، وقوله سبحانه: (وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ).[16]
ولتوفير أفضل السبل لتربية الناس وإقامة السلام والأمن وإقرارهما، أكّدت التشريعات على الحدّ من بعض التصرّفات، وأعلنت حرمةً شاملة للحرم وأمناً واسعاً له ولحال الإحرام أيضاً، من هنا أعلنت الأشهر الأربعة الحرم أمناً شاملاً، سواء كان هناك حج أو عمرة أو لم يكن، وكذلك في الأشهر التي يسافر فيها الحجّاج، وهي أشهر قد تطول ـ سابقاً ـ أحد عشر شهراً.
والجدير ذكره هنا، أن نعمة الأمن والأمان وإن كانت عظيمة القيمة، إلاّ أن هذا الإصرار على إقامتهما يلفت نظر الباحث الحصيف إلى أنّه لا بدّ في تلك المنطقة من إنجاز أعمال لا تُنجز ـ على ما يبدو ـ سوى مع وجود إحساس بالأمن والهدوء والطمأنينة، فإذا ما كانت هذه الأعمال مجرّد المناجاة والزيارة والطواف وأمثالها دون إعلان الغضب والتنديد بوجه الطغاة والمعتدين والعاصين، فلن يعيق هؤلاء عن تحقيق الأمن، ومن ثمّ ستكون كلّ هذه النصوص المصرّة على مسألة الأمن لغواً وعبثاً.
ƒ ملاحظة
سوف نتحدّث ـ بإذن الله تعالى ـ عن قسم آخر لمبحث الأمن التشريعي، لدى الحديث عن «الخصائص الفقهية للحرم».
ساحة أمن ولاية المعصومين(عليهم السلام)
استناداً إلى بعض الروايات، ومع الأخذ بعين الاعتبار ما تقدّم عند الحديث عن قوله تعالى: (وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا)[17]، فإن كل داخل في الاعتقاد بالإمامة والالتزام بالولاية هو في أمن وأمان، وطبقاً لهذا النمط من الروايات لايراد الإطلاق من الآية الشريفة المشار إليها، ذلك أنّه من الممكن أن ينفذ الكفّار والملحدون وأصحاب العقائد الباطلة إلى داخل الكعبة، والحال أنّهم ليسوا في أمان.
وعليه، فالمراد ـ كما يقول الإمام الصادق(عليه السلام) ـ : «من دخله ـ وهو عارف بحقّنا كما هو عارف له ـ خرج من ذنوبه وكفي همّ الدنيا والآخرة».[18]
وفي رواية أخرى للإمام الصادق(عليه السلام) وضمن مناظرة جرت بينه وبين أبي حنيفة جاء فيها: «.. فأخبرني عن قول الله عزّوجلّ: (سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ)[19]، أين ذلك من الأرض؟ قال: أحسبه ما بين مكّة والمدينة، فالتفت أبوعبدالله الصادق7 إلى أصحابه فقال: تعلمون أن الناس يقطع عليهم بين المدينة ومكّة، فتؤخذ أموالهم ولا يأمنون على أنفسهم ويقتلون؟ قالوا: نعم، قال: فسكت أبوحنيفة، فقال: يا أباحنيفة! أخبرني عن قول الله عزّوجلّ: (وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا) أين ذلك من الأرض؟ قال: الكعبة... فقال أبوبكر الحضرمي: جعلت فداك الجواب في المسألتين الأولتين؟ فقال: يا أبابكر! (سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ) مع قائمنا أهل البيت، وأمّا قوله تعالى: (وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا) فمن بايعه ودخل معه، ومسح على يده، ودخل في عقد أصحابه، كان آمناً».[20]
نعم، المراد هنا الأمن المطلق: التشريعي، والتكويني.
الخصائص الفقهيّة للحرم
لمنطقة الحرم خصوصيات فقهية كثيرة، نشير هنا إلى بعضها:
1ـ لا يوجد على سطح المعمورة مكان غير هذا المكان يُشترط لوروده، حتى في غير موسم الحج، الإحرامُ من أحد المواقيت المقرّرة، من هنا، فدخول غير المسلم إلى الحرم ممنوع; ذلك أنّه يلزمه الإحرام، وإحرام الكافر غير صحيح، والموارد الاستثنائية لهذا الحكم الكلّي العام بالغة القلّة.
2 ـ لا يقتصر منع دخول المشركين إلى الكعبة والمسجد الحرام، بل يتعدّى ليشمل مكّة والحرم كلّه، قال سبحانه: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا)[21]، فيجب على المسلمين تنزيه هذا المكان وطرد هؤلاء المشركين منه.[22]
3 ـ يحرم تعذيب أيّ شخص يدخل الحرم أو إيذاؤه، أللّهمّ إلاّ إذا جنى جنايةً خارجه، ثمّ احتمى بالحرم والتجأ إليه، وفي هذه الحالة تحرم مبايعته، وكذا حمايته وإجارته وعاريته البيوت، كما يحرم إعطاؤه الطعام أو بيعه له.
ومثل هذه الضغوطات والمتاعب عليه إنّما تهدف إلى إجباره على الخروج من الحرم كي تقام عليه الحدود الإلهية.
لقد بلغ الاهتمام بحريم الحرم الإلهي حدّاً، أن يسأل سماعة بن مهران الإمام الصادق(عليه السلام) فيقول: «سألته عن رجل، لي عليه مال، فغاب عنّي زماناً، ثمّ رأيته يطوف حول الكعبة، أفأتقاضاه مالي؟ قال: لا، لا تسلّم عليه، ولا تروّعه حتّى يخرج من الحرم».[23]
4 ـ لو ارتكب شخص جناية في الحرم أو جرماً جرى عليه الحدّ فيه، ذلك أنّه لم يرع حرمة الحرم، لذا لزمه قصاصه من هذه الناحية، قال سبحانه: (وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ).[24]
وقد قال الإمام الصادق(عليه السلام) حول من قتل في الحرم أو سرق: «يُقام عليه الحدّ في الحرم صاغراً; لأنّه لم يَرَ للحرم حرمةً، وقد قال الله عزّ وجلّ: ( فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ )[25]، فقال: هذا هو في الحرم، وقال: (فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ)[26]».[27]
إنّ ما يقتضيه قوله تعالى: ( فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ ) أنّ إعدام القاتل واجب، بيد أنّ إهانته حرام، أمّا هنا فتغدو إهانته راجحة; ذلك أنّه تجاهل الحرمات والمقدّسات ولم يقدّرها أو يحترمها، ومعه فلا يصح أن يحترم هو أيضاً.
إنّ الكعبة بمنزلة كرامة المسلم وشرفه; من هنا كان الجميع مكلفين بحفظ حرمتها، فحرمة الكعبة هي الأساس لحرمة الحرم إلى حدّ تجنّب الفقهاء ـ حذراً وخوفاً ـ من السكن فيه؛ والسبب في ذلك خوفهم من أن يرتكبوا فيه أيّ ذنب، يحتملون كونه «إلحاداً»، ممّا يخيفهم من نتائج التعذيب الإلهي: قال تعالى: ( وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ).[28]
ولا يعني ذلك كراهة العيش في ذلك المكان المقدّس، وإنّما يعني الخوف من عدم مراعاة حقوق الحرم الإلهي الرفيع.
 
 
 
[1]. الكافي 4: 195 ـ 196.
[2]. الكافي 4: 195 ـ 196.
[3]. القصص: 57.
[4]. آل عمران: 97.
[5]. قريش: 4.
[6]. القصص: 57.
[7]. العنكبوت: 67.
[8]. وسائل الشيعة 9: 339.
[9]. النحل: 112.
[10]. الحج: 25.
[11]. الطور: 23.
[12]. الحج: 25.
[13]. البقرة: 126.
[14]. المائدة: 2.
[15]. البقرة: 194.
[16]. البقرة: 191.
[17]. آل عمران: 97.
[18]. تفسير العياشي 1: 190.
[19]. سبأ: 18.
[20]. بحارالأنوار 2: 292 ـ 294.
[21]. التوبة: 28.
[22]. وسائل الشيعة 9: 344.
[23]. المصدر السابق: 365.
[24]. البقرة: 194.
[25]. البقرة: 194.
[26]. البقرة: 193.
[27]. وسائل الشيعة 9: 336 ـ 337.
[28]. الحج: 25.