المسجد الحرام

الحرمة الخاصّة للمسجد الحرام
تتمتّع المساجد كافّة لاسيما منها المسجد الحرام بحرمة خاصّة[1]؛ فالمسجد الحرام يحوي بيت الله الحرام، والمكان النهائي لذلك البيت الشريف[2]، ونقطة انطلاق الإسراء والمعراج.[3]
إنّ مكان الحجّ والزيارة، كموسمهما وزمانهما، حرامان محترمان، من هنا حرّم القتال الابتدائي فيه، لكن حيث إنّ القصاص لا يختصّ بالنفس أو الطرف، وإنّما هناك قصاص في نقض الحرمات وهتك احترامها (وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ)[4]، يقول الله تعالى: (وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ).[5]
ومن الواضح أنّ حرمة المسجد الحرام نشأت من احترام الكعبة، تماماً كما كان احترام الكعبة والمسجد سبباً في حرمة مكّة، واحترام الثلاثة معاً سبباً في حرمة الحرم الإلهي، لكن حيث كانت هذه الحرمات كافّة لأجل الإسلام نفسه صدر أمرٌ بضرورة قتل المشركين هناك عندما يتعرّض المسلمون في المسجد الحرام من جانبهم للهجوم بغية إبادة الإسلام.
لقد تقدّم توضيح هذه المسألة في الفصل الخامس من القسم الأوّل، لدى الحديث عن «منشأ الحرمة وعزّة الكعبة» وشرحنا أنّ الحرمة التي كانت للحَرَم، ومكّة، والمسجد الحرام، والكعبة، إنّما هي من الإمام الذي اختاره الله للولاية، ومنه ينتهي الأمر إلى الحقّ المطلق تعالى.
إدارة المسجد الحرام وولايته
لا يحقّ لغير المتّقين الشجعان والمدبّرين الواعين أن يديروا المراكز الدينيّة المهمّة، فنظراً للأهمّية الخاصّة للكعبة، وكذلك المسجد الحرام وحرم الأمن الإلهي، فقد بيّن القرآن الكريم بصراحة مَن يتصدّى اُمورها، وما يمنع ذلك، بحيث جعل الصالحين اللاّئقين في هذا المنصب، وطرد الطالحين غير المناسبين عنه، فأودع الأمانات الإلهيّة أهلها.
إنّ تعيين ولاة البيت الإلهي من صلاحيّات الله سبحانه وحده فقط، فقد جاء في الآية الكريمة: (مَا كَانُواْ أَوْلِيَاءهُ إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ)[6]، وفي ذلك إشارة إلى عزل، بل انعزال العاصين عن تولّي شؤون المسجد الحرام، لصالح نصب المتّقين لذلك؛ فالعُصاة منصرفون عن المعبد الإلهي، كما أنّهم صارفون عنه، فهم ناؤون وناهون، أمّا الأتقياء فهم في رحاب معبد الله عبيد حقّ، وهم دُعاةٌ إليه أيضاً.
إنّ تولّي اُمور المساجد ليس من حقّ الناس، بل حكم إلهي وحقّ خاصّ بالله سبحانه، جُعل على كاهل الرجال المتّقين واُلزموا به؛ فهنا كان لزاماً لتولّي شؤون الحرم، والتي حصرها الله بأفراد أو فريق خاصّ، أن يمتثل المتّقون في مختلف البلدان الإسلاميّة لأمر الله وقراره الغيبي في إدارة الحرم ويكون لهم دورٌ في ذلك.
والسرّ الرئيس في هذا الأمر هو أنّ الكعبة التي هي منشأ حرمة واحترام المسجد الحرام والحرم الإلهي ليست مثل سائر الآثار القديمة للأقوام والشعوب والملل، حتّى ينفرد بإدارتها فريق خاصّ يحرسونها ويهتمّون بها؛ فلو كانت الكعبة مثل سور الصين، وأهرام مصر، وما شاكل ذلك، لم تكن لتتحوّل إلى نقطة تجمّع روحي للمسلمين جميعاً في مختلف أقطار العالم على امتداد التاريخ.
إنّ الذي يُستنتج من الآية الشريفة: (بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ)[7]، ومن الحديث الذي يبيّن سرّ تربيع الكعبة[8]، أنّ بناء الكعبة ومكانه وسائر ما يتعلّق بها كان أمراً من جانب الوحي الإلهي، إضافةً إلى ذلك، لم يكن للبشر العاديّين أي حضور حتّى يشارك مهندس أو بنّاء في أمرها، بل كان إبراهيم(عليه السلام) هو المتعهّد لذلك بالوحي الإلهي؛ وعليه فالكعبة في تمام أبعادها الفنّية والصناعية، وفي الأدوات، والأرض، والخارطة، مرتبطة بالله ومنزّهة عن غيره، ومبرّأة عن سائر الناس، فهذا البناء المقدّس هو أوّل بناء بُني للبشر بوصفه معبداً[9]، ولذلك كان جائزاً لتوسعة المسجد الحرام، الاستيلاء علي الأمكنة المجاورة وتخريبها، والتي هي في الحقيقة حريم للكعبة، تماماً كما قال الإمامان الصادق والكاظم8، لرفع توهّم غصبية مثل هذا التخريب: «إن كانت الكعبة هي النازلة بالناس فالناس أولى بفنائها، وإن كان الناس هم النازلين بفناء الكعبة فالكعبة أولى بفنائها».[10]
وخلاصة القول: إنّ الكعبة لا ترتبط بشخص بعينه أو فريق كذلك، وهي لا تتبع أيّ قانون من القوانين البشريّة المجعولة، وإنّما هي تبلور الإسلام، وذلك:
أوّلاً:أنّها مثل القرآن الكريم والرسول الأكرم9 لا تعتمد إلاّ على الله تعالى.
ثانياً:كما أنّ القرآن الكريم كتاب الله وكلامه، وليس نتيجاً فكريّاً لأيّ إنسان، ولا يمكن لأحد أن يأتي بمثله، وكما كان الرسول الأكرم(صلي الله عليه و آله) غير متلمّذ على يد أحد، وليس لأيّ إنسان حقّ التعليم والتزكية عليه، من هنا كان عبد الله ورسوله... كذلك الكعبة ـ ملكاً وخارطةً وبناءاً ومعماريّة و... ـ متعلّقة بالذات الإلهيّة.
ثالثاً:كما أنّ الله تعالى ضمن حقيقة القرآن من تطاول الطواغيت عليها، وحفظها من سهام التحريف وصانها من ذلك، وكما ثبّت رسالة الرسول الأكرم(صلي الله عليه و آله) بالمعجزات المختلفة، وأبقاها ثابتةً، كذلك صان الكعبة دوماً من جبابرة وأباهرة الماضي والحاضر والمستقبل.
رابعاً:كما يجب على كافّة مسلمي العالم حماية القرآن وحراسته وأن يكونوا جادّين في صيانة الشخصيّة الحقوقيّة للنبيّ الأكرم(صلي الله عليه و آله) ورسالته، كان واجباً عليهم الجهاد لحفظ أمن الحرم وتقديسه.
خامساً:كما أنّ مجرّد عربيّة القرآن أو نزوله في الحجاز ليس دليلاً على اختصاصه بقوم خاصّين، ومجرّد كون النبيّ الأكرم(صلي الله عليه و آله) قد عاش في الحجاز وتوفّي فيها وكان مزاره الشريف فيها... ليس دليلاً على اختصاص هذا الرجل العظيم بالعرب أو بشعب الحجاز، كذلك مجرّد وقوع بناء الكعبة في الحجاز وتأمين موادّها الخام من تلك الديار ليس سبباً لاختصاصها بالعرب أو بشعب الحجاز أو بدولة تلك البلاد؛ ذلك أنّه حتّى لو كانت الكعبة قد بُنيت من الأحجار ولها جسم ظاهري مثل سائر الأحجار، إلاّ أنّها حيث كانت محاذية لعرش الله، ومبنيّةً جدرانها الأربعة على خارطة التسبيحات الأربع، أي حقيقة التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير، وكلّها ترجع إلى التوحيد[11]، وكانت متحرّرة من كافّة السلطات والقوى الكبرى العتيقة... فإنّه لا مثيل لها ولا نظير.
إنّ تولّي هذا البناء المقدّس القائم على الإخلاص والطهارة إنّما هو في عهدة المسؤولين الصالحين الورعين، فلو كان الإمام المعصوم(عليه السلام) ماسكاً بزمام الزعامة والحكومة، فإنّ الكعبة تُدار حينئذ تحت الولاية المعصومة لهم، وإلاّ كانت تحت ولاية النائب الخاصّ، وإلاّ فالنائب العام للإمام، وهو الفقيه جامع الشرائط المطلوبة في القيادة، وإذا لم‌يتوفّر فقيه مدير ومدبّر لتولّي هذا الشأن، ينتقل الدور لعدول المؤمنين.
 
 
 
[1]. اُنظر: سورة الجنّ: 18؛ والحجّ: 40؛ والأعراف: 29، 31؛ والبقرة: 114، 187؛ والأنفال: 34؛ والتوبة: 28.
[2]. البقرة: 144.
[3]. الإسراء: 1.
[4]. البقرة: 194.
[5]. البقرة: 191.
[6]. الأنفال: 34.
[7]. الحج: 26.
[8]. بحار الأنوار 96: 57، وراجع: المصدر السابق، هامش صفحة 86.
[9]. آل عمران: 96.
[10]. وسائل الشيعة 9: 331 ـ 332.
[11]. بحار الأنوار 96: 57؛ روي عن الصادق7 أنّه سُئل لِمَ سمّيت الكعبة؟ قال: «لأنّها مربّعة»؛ فقيل له: ولِمَ صارت مربّعة؟ قال: «لأنّها بحذاء البيت المعمور، وهو مربّع»، فقيل له: ولِمَ صار البيت المعمور مربّعاً؟ قال: «لأنّه بحذاء العرش وهو مربّع»، فقيل له: ولِمَ صار العرش مربّعاً؟ قال: «لأنّ الكلمات التي بُني عليها الإسلام أربع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلاّ الله، والله أكبر».