الحجر الأسود

 السرّ في تشبيه الحجرالأسود بمقام الرسول الأكرم (صلي الله عليه و آله)
تضم الكعبة المطهرة أربعة أركان و ترتيبها حسب الطواف كما يلي: ركن الحجرالأسود، الركن العراقي، الركن الغربي والركن اليماني. و المسافة بين الحجرالأسود وباب الكعبة تُعرف بـ «الملتزم». قال الإمام الصادق(عليه السلام): «هو الموضع الذي تاب الله فيه على آدم».[1]
و«المستجار» موضع يقع إلى جانب الركن اليماني، بمحاذاة الملتزم، حيث يتعلق الزائرون بأستار لطف الله تعالى؛ وقد عبّر أميرالمؤمنين الإمام علي(عليه السلام) عن سرّ التعلق والتشبث بأستار الكعبة ومعنى ذلك بقوله: «هو مثل رجلٍ له عند آخر جناية وذنبٌ فهو يتعلّقُ بثوبه يتضرّع إليه و يخضع له أن يتجافى له عن ذنبه».[2]
يقع الحجرالأسود إلى يسار الزائر الذي بإزاء باب الكعبة ومقام إبراهيم(عليه السلام) على يمينه (وإن كان مقام إبراهيم يقع الآن خلف الزائر المفترض) ولكن بالنسبة للكعبة نفسها، فلو افترضنا أن وجه الكعبة ‌يقع قبالة الناس وجهاً لوجه من الجدار الذي يقع في باب الكعبة، فإن الحجرالأسود يقع إلى يمين بيت الله الحرام و مقام إبراهيم إلى يساره.
يقول الإمام الصادق(عليه السلام) مبيناً سرَّ الأمر المذكور، مجيباً على هذا السؤال: لماذا يستلم الناس الحجرالأسود والركن اليماني من بين أركان الكعبة فقط؟ فقال: لأنها بمنزلة‌ يمين عرشه[3] والله سبحانه وتعالى أمر باستلام كل ما هو على يمين عرشه.
ثم قال مجيباً عن السبب في وقوع مقام إبراهيم على الجانب الأيسر: لأن «لكل من النبي إبراهيم(عليه السلام) و الرسول الأكرم۹ مقاماً ‌خاصاً‌ في يوم القيامة، ومقام محمد۹ عن يمين عرش ربّنا عزّوجل، ومقام إبراهيم(عليه السلام) عن شمال عرشه...».[4]
والحجرالأسود، ‌هو المقام الذي يستند إليه الإمام المهدي[ عندما يبايعه الناس، في بداية‌ ثورته العالمية لبسط العدالة؛ وكما عبر الإمام الصادق(عليه السلام) عن ذلك قائلاً: «...وإلى ذلك المقام يسند القائم ظهره، و هو الحجة و الدليل على القائم، و هو الشاهد لمن وافاه في ذلك المكان، ‌والشاهد على من أدّى إلى الميثاق والعهد الذي أخذ الله عزّوجلّ على العباد».[5]
نزول الحجر الأسود من الجنّة
بناءاً على ما جاء في بعض الروايات، فإن الحجر الأسود قد نزل من الجنة، وكان في البداية أبيض اللون، واسودّ تدريجياً على أثر استلامه من قبل المذنبين، حتّى أصبح كما هو عليه الآن: «... كان ملكاً من عظماء الملائكة عندالله...»،‌ «إنّ الحجر كان درّةً بيضاء في الجنة...»، «... وكان أشدّ بياضاً مِنَ اللبن فاسودّ من خطايا بني آدم، ولولا ما مسّه من أرجاس الجاهلية ما مسَّه ذو عاهةٍ إلاّ برأ».[6]
بعض المفسرين الذين يبحثون عن تبريرٍ أو تفسير ماديّ لأي ظاهرة من الظواهر، قالوا في معرض نفيهم لهذا النوع من الروايات: نزول الحجر من السماء أو الجنّة، لا معنى له!![7]
وفي الردّ على هذا الكلام و نقده لابد من القول[8]: ما يؤيد الروايات التي تدور حولها بعض الإشكالات، الآيات التي ورد الحديث فيها عن إنزال النعم الإلهية من خزائن الغيب، كقوله تعالى: (وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ) [9] خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنزَلَ لَكُم مِّنْ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ [10]  (وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ) [11]
فكلمة «الإنزال» ليست بمعنى الخلق، بل هي بمعنى التنزيل والإنزال الواقعي من وراء الطبيعة إلى عالم الطبيعة كنزول القرآن في ليلة القدر؛ ولكن المراد هنا، الإنزال على نحو التجلّي، و ليس بصورة التجافي، مثل نزول الثلج والمطر؛ أي لايعني الأمر نفاد المخازن الإلهية وخلوّها من الموجودات، بعد تنزلها إلى عالم الطبيعة من العالم الأعلى؛ لأن خزائن الله لايعتريها النقصان أو النفاد؛ (مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللّهِ بَاقٍ) [12] والوجود الغيبي لهذه الأشياء وجود نوراني وتحمّل ذلك أمرٌ غير ميسور للجميع. من هنا فإن ظهورها في هذه النشأة اقترن بتنزّل مرتبتها الوجودية. ولكن حرمة و كرامة الموجودات المتنزلة من الخزائن الإلهية واحدة بلحاظ تباين درجات تلك الخزائن. مثلما يعتبر الحجر الأسود حالةً خاصةً.
وبناءاً على ذلك، فإن مجرّد الاستبعاد العلمي لمسألة هبوط الحجر الأسود من الجنّة لا قيمة له؛ لأن دراسة السير الأفقي للموجودات و ماضيها و حاضرها و مستقبلها الطبيعي يتم في نطاق العلوم ا لطبيعية، ولكن السير العمودي للأشياء ‌والموجودات والنقاش حول العلة الفاعلية و الغائية‌ لها تقع خارج نطاق العلوم الطبيعية‌، مهما توصلت هذه العلوم إلى تطورات ملحوظة في هذا الجانب.
ونستنتج من ذلك أولاً: إن الحجر الأسود من أحجار الجنّة والسماء، كما ورد ذلك في العديد من الروايات المعتبرة.
ثانياً: لا يوجد دليل عقلي أو نقلي يدل علي خلاف ذلك.
وبناءاً على ذلك، فإن إثبات المسائل الاعتقادية علي الرغم من أنه لا يمكن أن يتحقق بالاستناد إلى الخبر الواحد، ذلك أنها تحتاج إلي القطع واليقين ولا يمكن الاكتفاء فيها بالظّن، لكن بالمقابل لايوجد أيّ وجه لإنكار تلك الروايات و رفضها.
شهادة الحجر الأسود يوم القيامة
الحجر الأسود كالمسجد، يشهد يوم القيامة لصالح البعض، و هو آيةٌ من آيات الله البيّنات إلي جانب الكعبة[13]، ويمين الله عزّ وجلّ في الأرض واستلامه بمنزلة البيعة لله تعالى؛ «هو يمين الله عزّ و جلّ في أرضه يبايع بها خلقه».[14]
وكما قال أميرالمؤمنين الإمام علي(عليه السلام) في ردّه علي من قال عند استلام الحجر: أعلم بأنك لا تضر و لا تنفع ولكني أحبك لحب رسولالله(صلي الله عليه و آله) لك، فقال(عليه السلام): والحجرالأسود من الشهداء‌ أيضاً يوم القيامة؛ «فوالله ليبعثنَّه اللهُ يومَ القيامة و له لسانٌ و شفتان فيشهد لمن وافاه»[15]، كما أكّد الإمام الصادق(عليه السلام) في ردّه علي ذلك الظنّ فقال: «كَذِبَ ثمَّ كذب ثمَّ كذب. إنَّ للحجر لساناً ذلقاً يوم القيامة يشهد لمن وافاه بالموافاة».[16]
تنبيه: هذا النوع من الأحاديث المأثورة، والتي تصرّح بمنفعة‌ الحجر الأسود ونحوه، يعود إلي كونه وسيلة ذات تأثير معين و الذي تجسّد بلطفالله و بركاته علي هذا الحجر،‌ و عدا ذلك فإن أيّاً من أحجار الكعبة وأمثالها ليست ضارّة بذاتها أو نافعة، كما عبّر أميرالمؤمنين(عليه السلام) بشأن سلب تأثيرها الذاتي فقال(عليه السلام): «... أحجار لاتَضُرُّ و لا تنفَع و لا تبصر و لا تسمع».[17]
 
 
[1]. وسائل الشيعة 3: 539.
[2]. المصدر السابق 8: 159 ـ 160.
[3]. قال الرسول الأكرم9: «ما أتيت الركن اليماني إلا وجدت جبرئيل قد سبقني إليه يلتزمه»  . وقال الإمام الصادق7 أيضاً: «الركن اليماني باب من أبواب الجنة لم يغلقه الله منذ فتحه»   . «الركن اليماني بابنا الذي ندخل من الجنة.» «الركن اليماني على باب من أبواب الجنة مفتوح لشيعة آل‌محمد، مسدود عن غيرهم، و مامن مؤمن يدعو بدعاء عنده إلاّصد دعاؤه حتى يلصق بالعرش ما بينه وبين الله حجاب.» (وسائل الشيعة 9: 419 ـ 422).
[4]. بحار الأنوار 7: 339.
[5]. الكافي‌ 4: 185.
[6]. وسائل الشيعة 9: 403 ـ 407.
[7]. بحارالأنوار 1: 466 ـ 468.
[8]. الميزان 2:190 ـ 195.
[9]. الحجر: 21.
[10]. الزمر: 6.
[11]. الحديد: 25.
[12]. النحل: 96.
[13]. وسائل الشيعة 9: 346.
[14]. المصدر السابق: 405 ـ 406.
[15]. وسائل الشيعة 9: 406.
[16]. المصدر السابق: 406.
[17]. نهج البلاغة، الخطبة 192، الفقرة 53 54   . و قد مرَّ ذكر نص هذا الحديث الشريف و ترجمته في الفصل الثالث من القسم الأول في موضوع «صورة الحج في الروايات»   . فراجع.