شخصيات من الحرمين الشريفين
مشاهدات:922

أمُّ المؤمنين خديجة(عليها السلام)


في بيت من البيوت العريقة، وذات السمعة الطيبة، والمكانة العالية في الحجاز، ولدت سيدتنا خديجة لأبوين قرشيين:
فأبوها خويلد بن أسد بن عبد العزّى بن قصي بن كلاب بن مرّة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر من كنانة ... من قريش، فهو من بني أسد، وقدمات في حرب الفِجار، التي قامت في الجاهلية في الأشهر الحرم بين قريش وقيس عيلان، ويومذاك كان عمر خديجة ـ إذا ما أخذنا برواية أنّ عمرها حين زواجها من الرسول (صلي الله عليه و آله) أربعون سنة ـ ثلاثين سنة.
وأما أمُّها فهي فاطمة بنت زائدة بن الأصم بن فهر بن لؤي بن غالب، فهي تجتمع مع زوجها خويلد في لؤي بن غالب... من كنانة من قريش.
خديجة القرشيّة الأسدية تلتقي نسباً مع النسب الكريم لرسول الله(صلي الله عليه و آله) في جدّه الرابع «قصي» فهو محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي... وهي بالتالي أقرب نسائه إليه(صلي الله عليه و آله).
كانت تدعى في الجاهلية بالطاهرة، وسيدة نساء قريش، وسيدة قريش; وهي يومئذ أوسط نساء قريش نسباً، وأعظمهنّ شرفاً، وأكثرهنّ مالاً، وأحسنهنّ جمالاً... وفي لفظ كان يقال لها سيدة قريش; لأنّ الوسط في ذكر النسب من أوصاف المدح والتفضيل، يقال: فلان أوسط القبيلة، أعرقها في نفسها...[1]
عمرُ خديجة
الاهتمام بعمرها أمر طبيعي جدّاً; لأنه جزء من دراسة حياتها المباركة بعد أن اقترنت برسول الله(صلي الله عليه و آله) وصارت حياتها جزءاً من حياته الشخصية والدينية بكلِّ أبعادها.
ولكن هذا الاهتمام بدلاً من أن يولد لدينا القطع بعمرها، عمّق الاختلاف فيه تبعاً لاختلاف الروايات والأخبار، وبالتالي الآراء عن ولادتها، وعن عمرها، وحياتها حين اقترانها بالرسول الكريم(صلي الله عليه و آله) راحت ـ اعتماداً على تلك الروايات ـ أقوال قدماء المؤرخين بالذات، وأقوال مَن جاراهم من الكتّاب المحدثين، توسع ذلك الاختلاف وتثبته، ولم تستطع حسمه بما تقدمه من أدلة; وابتداءً نشير إلى بعض روايات سنِّها ومصادرها:
فعن ابن عباس: كانت خديجة يوم تزوجها رسول الله(صلي الله عليه و آله) ابنة ثمان وعشرين سنة.[2]
وعن حكيم بن مزاحم (ابن اخيها): تزوج رسول الله(صلي الله عليه و آله) خديجة وهي ابنة أربعين سنة، ورسول الله(صلي الله عليه و آله) ابن خمس وعشرين سنة; ويقول مزاحم: وكانت أسنّ مني بسنتين، ولدت قبل الفيل بخمس عشرة سنة، وولدت أنا قبل الفيل بثلاث عشرة سنة.[3](فقد ولد(صلي الله عليه و آله) بعد وقعة الفيل بخمسين يوماً...).[4]
وذكر الواقدي: أنها كانت لما تزوجها رسول الله(صلي الله عليه و آله) بنت خمس وأربعين سنة.
وعن البيهقي والحاكم:... وأنّ عمره(صلي الله عليه و آله) كان خمساً وعشرين، وعمرها خمساً وثلاثين.
كما أنّ هناك من يقول: إنها ابنة 25 سنة، أو30 سنة.
يقول صاحب كتاب اتحاف الورى بأخبار أمِّ القرى: خطب النبيُّ(صلي الله عليه و آله) إلى خديجة نفسها، وكانت ابنة أربعين سنة; ويقال: ابنة خمس وأربعين ويقال: ثمان وأربعين سنة، ويقال: ست وأربعين، وقيل: ثلاثين، ويقال: ثمان وعشرين.
فالأقوال إذن في مسألة عمرها مختلفة، وقد ذهب جلال مظهر في كتابه ـ محمد رسول الله(صلي الله عليه و آله) سيرته وأثره في الحضارة ـ إلى (أنها كانت ابنة 25 سنة) دون أن يذكر سبباً مرجّحاً لذلك.
في حين اعتمدت بنت الشاطئ في كتابها نساء النبيّ رواية الأربعين، التي اعتمدها الطبري والواقدي ورواها حكيم بن مزاحم؛ وهيكل هو الآخر اعتمد في كتابه حياة محمد، ما اعتمده الطبري والواقدي.
وقد ذكر كلٌّ من الدكتور عبدالصبور شاهين، وإصلاح عبدالسلام في أمهات المؤمنين: وقد أجمعت كتب التأريخ والسيرة، إلاّ رواية واحدة في الطبقات على أنّ السيدة خديجة كانت في الأربعين من عمرها، عند زواجها.
إنّ ما ذكراه بعيد عن الدقّة، فأين هو الإجماع، وهذه المصادر وكتب التأريخ بين أيدينا قد ذكرت روايات متعددة، وكلّها تشير إلى الاختلاف في سنّها؟!
وذهب ابن اسحاق، كما في مستدرك الحاكم، إلى أنّ خديجة كانت في الثامنة والعشرين من العمر.[5]
في حين ذهب العقاد في كتابه: «فاطمة الزهراء والفاطميون» إلى اعتماد رواية 25،28 سنة، حيث يرى أنّ المرأة في بلاد كجزيرة العرب يبكر فيها النمو، ويبكر فيها الهرم، فلا تتصدى للزواج بعد الأربعين.
وهذا ردّ صريح على من أخذ برواية الأربعين، الذين أخذوا في اعتبارهم أنّ السيدة خديجة قد تزوجت قبل رسول الله(صلي الله عليه و آله) من عتيق بن عائذ ومن بعده من أبي هالة زُرارة، وأنجبت لهما أولاداً، ثم مكثت بعد وفاة زوجها الثاني مدّة ليست قصيرةً، راغبةً في تنمية ثروتها وأموالها، التي ورثتها من أبيها الذي كان ثرياً ومن قبيلة ذات مال وفير، ومن زوجيها، عازفةً عن الزواج الثالث; لأنّ كلّ من تقدّم لزواجها ـ كما زعم ـ إنما كان تدفعه الرغبة في ثروتها، ولأنها لم تجد فيهم من الشرف والأمانة والصدق، هذه الصفات التي كانت تنشدها، حتى تستطيع أن تأمنه على أموالها وتجارتها، حتى قدر لرسول الله(صلي الله عليه و آله) أن يضارب بتجارتها، وقد قبلت به لمعرفتها بأنه الصادق الأمين، وهو الذي عُرف بهذا بينهم، وفعلاً سافر إلى الشام ببضاعتها، وعاد ببضاعة أخرى وفيرة، وأرباح عالية لم تعهدها من قبل، مع ما حدّثها عنه غلامها ميسرة، الذي كان برفقة محمد وخدمته، فزادت معرفتها به، وعظم تعلقها به، ورأت فيه ما كانت تتمنى، فتزوجته.
وقد استعان أصحاب رواية الأربعين بذيل الرواية نفسها عن حكيم بن مزاحم على تأييد ما ذهبوا إليه، وذيلها يقول: إنها توفيت في شهر رمضان سنة عشر من النبوّة، وهي يومئذ ابنة خمس وستين سنة.[6]
وأُخذ على هذا الرأي: أنها كيف أنجبت في هذه السن المتأخرة؟!
واُجيب عن ذلك بأنه من المشاهد وجود نساء قد أنجبن بعد الأربعين، بل بعد الخمسين أيضاً، وهذا الأمر يتوقف على توفر عوامله، التي منها صحة المرأة واستعدادها وقابليتها وبيئتها، وما تعيشه المرأة من رفاهية في حياتها واستقرار وراحة، وهو ما توفر للسيدة خديجة; علماً بأن هناك من يقول: إنّ آخر ما أنجبته خديجة(عليها السلام) فاطمة الزهراء(عليها السلام) وهي في الخمسين، إن لم تكن أقل من ذلك من عمرها المبارك، ومعنى هذا أنها لم تنجب بعد الخمسين سنة وكانت هذه الفترة 15 سنة.
فالمدائني قال: ولدت فاطمة قبل النبوة بخمس سنين.
وفي رواية جعفر بن سليمان: ولدت فاطمة سنة إحدى وأربعين من مولد النبي(صلي الله عليه و آله).
وعن أبي جعفر(عليه السلام): «... فقال العباس: أما أنت يا فاطمة فولدت وقريش تبني الكعبة، والنبي(صلي الله عليه و آله) ابن خمس وثلاثين سنة».
فهذه الروايات تبين أنّ فاطمة(عليها السلام) ـ وهي آخر مولود لخديجة ـ ولدت وخديجةُ بعدُ لم تتجاوز الخمسين من عمرها، وعلى رواية الأربعين كانت البعثة، وخديجة(عليها السلام) في الخامسة والخمسين من عمرها.
وقد ترد بعض الملاحظات على مسألة التمسك برواية 40 وأنها قد تزوجت مرتين.
1 ـ لماذا هذا الإصرار على التمسك برواية الأربعين، وعدّها هي المشهورة، وهي رواية من عدّة روايات: (45 سنة، 28 سنة، 25 سنة، 30 سنة...) أليس هذا ترجيحاً بلا مرجح؟
2 ـ امرأة بهذا العمر (40 ،45 سنة) وفي أجواء كأجواء الحجاز الحارة جدّاً، التي يسرع الكبر فيها إلى الإنسان، وقد تقدم لخطبتها ـ كما تقول الأخبار ـ أعظم قريش نسباً ومالاً ورفضتهم، بل وتمناها وتهالك عليها كلّ شريف وعظيم، فقد كان ممّن خطبها عقبة بن أبي معيط، والصلت بن أبي يهاب، وكان لكلّ واحد منهما أربعمائة عبد وأمة، وخطبها أبوجهل بن هشام، وأبو سفيان،[7]فهل كلّ هذا يكون من أجل امرأة بهذه السنّ المتأخرة، ومن أجل امرأة عاشت ببيتين (بيت عتيق، وبيت «أبو هالة») وأنجبت واحداً على رواية، واثنين على رواية أخرى، وثلاثة على رواية ثالثة، وهم (هند والحارث وبنت اسمها زينب)،[8]وترملت بعدهما وعاشت سنين أخرى؟!
أو يصح هذا، وهم قادرون بما عندهم من شرف ومال وجاه أن يتزوجوا بما يحلو لهم من النساء من بيوتات عربية أخرى، ذات شرف وعفة ومال وجمال؟!
ثم إنّ زوجيها السابقين لم يكونا بدرجة عالية من المكانة، ومع هذا قبلت بهما وهي في شبابها، فكيف وقد تقدم بها العمر ترفض زعماء قريش وأشرافها؟! وإن قيل إنها قررت تنمية ثروتها، فإنّ هذا ادعاء سطرته أقلامُ الكتاب، ولا يصلح أن يكون مبرراً يفرض عليها ما دامت لم تصرح به، علماً بأنّ في قبال هذا الادعاء إدعاءاً يقول: إنها إنما رفضتهم جميعاً، لعدم توفر الصفات التي تريدها فيمن تقدم لخطبتها، وهو ادعاء أقوى من ادعاء الكتّاب; لأنه من أقرب الناس لها.
قال أبوالقاسم الكوفي: إنّ الإجماع من الخاص والعام، من أهل الأنام ونقلة الأخبار، على أنه لم يبق من أشراف قريش، ومن ساداتهم، وذوي النجدة منهم، إلاّ من خطب خديجة، ورام تزويجها، فامتنعت على جميعهم من ذلك، فلما تزوجها رسول الله(صلي الله عليه و آله) غضب عليها نساء قريش وهجرنها، وقلن لها: خطبك أشراف قريش، وأمراؤهم فلم تتزوجي أحداً منهم، وتزوجت محمداً يتيم أبي طالب فقيراً، لا مال له؟! فكيف يجوز في نظر أهل الفهم أن تكون خديجة، يتزوجها أعرابي من تميم، وتمتنع من سادات قريش وأشرافها على ما وصفناه؟! ألا يعلم ذوو التمييز والنظر أنه من أبين المحال، وأفظع المقال؟![9]
3 ـ وفي الاستغاثة ذكر بعض أنه كانت لخديجة أخت اسمها هالة،[10]تزوجها رجل مخزومي، فولدت له بنتاً اسمها هالة، ثم خلف عليها رجل تميمي يقال له أبوهند فأولدها ولداً اسمه هند، وكان لهذا التميمي امرأة أخرى قد ولدت له زينب ورقية، فماتت ومات التميمي، فلحق ولده هند بقومه، وبقيت هالة أخت خديجة والطفلتان اللتان من التميمي وزوجته الأخرى، فضمتهم خديجة إليها، وبعد أن تزوجت بالرسول(صلي الله عليه و آله) ماتت هالة، فبقيت الطفلتان في حجر خديجة والرسول(صلي الله عليه و آله) ... وكان العرب يزعمون أنّ الربيبة بنت، ونسبتا إليه(صلي الله عليه و آله) مع أنهما ابنتا أبي هالة زوج أختها، وكذلك كان الحال بالنسبة لهند نفسه.[11]
أريد من هذا كله أن أقول: إنّ ما يناسب صفات هذه السيدة، وما يلائم كلّ ما قيل بحقّها، ورغبة الآخرين فيها، وما يبعدنا عن مسألة كلّ ما يرد من إشكالات حول عمرها وقدرتها على الانجاب، وما دامت الروايات كلها قد تكون بمستوى واحد، وليس لواحدة على الأخرى ترجيح، أرى أنّ الأخذ برواية 25، أو 28 كما ذهب إليه العقاد أولى، لأنّ هاتين الروايتين تناسبان واقع حياة هذه المرأة لاغير.
أما زواجها السابق لمرتين فهو أيضاً محل تأمل وتوقف، وقد وردت أدلة وأقوال على أنها باكر كما ذهب إلى ذلك كلّ من أحمد البلاذري، وأبوالقاسم الكوفي في كتابيهما، والمرتضى في الشافي، وأبوجعفر في التلخيص: أنّ النبي(صلي الله عليه و آله) تزوج بها وكانت عذراء.
هذا ما نقله ابن شهرآشوب في المناقب في ترتيب أزواجه(صلي الله عليه و آله) حيث يقول: تزوج بمكّة أولاً خديجة بنت خويلد; قالوا: وكانت عند عتيق بن عايذ المخزومي ومن ثمّ عند أبي هالة زرارة بن نباش الأسدي.
وروى أحمد البلاذري، وأبو القاسم الكوفي في كتابيهما، والمرتضى في الشافي، وأبوجعفر في التلخيص: أنّ النبيّ(صلي الله عليه و آله) تزوّج بها وكانت عذراء، يؤكد ذلك ما ذكر في كتابي الأنوار والبدع: أنّ رقية وزينب كانتا ابنتي هالة أخت خديجة.[12]
الزواج المبارك
استجمعت أحاسيسها وراحت تستمع فرحةً مسرورةً لحديث غلامها ميسرة، الذي صحب النبيّ(صلي الله عليه و آله) وهو يضارب في تجارة لخديجة (عليها السلام) في الشام، وراح يحدثها عن سيرة محمد(صلي الله عليه و آله) معه، وعن أخلاقه، وطباعه، وصفاته الجميلة، وعمّا كان يراه من كراماته التي لم ير ميسرة مثيلاً لها من قبل، على كثرة سفراته مع آخرين، فأعجبت به، وقد أسر كلَّ مشاعرها، وامتلك كلَّ عواطفها، وتحرّكت في قلبها أسراره، وكأنها تريد لهذا الحديث ألاّ يتوقف أو ينتهي، ثم راحت تحدّق في مستقبل فتى بني هاشم الصادق الأمين، الذي غدا صدقه يملأ الآفاق، وأمانته يلهج بها كلّ لسان، ماذا يخبئ المستقبل لهذا اليتيم الهاشمي، وما هو ذاك الشأن العظيم الذي ينتظره؟!
لقد تمثلت أمام عينيها شخصيته بكلّ ما فيها من نبل صفاته، ورقة شمائله، وعظيم وكرم أخلاقه، وجمال روحه، وشرفه، وفضله على الجميع.
لاحت من ميسرة نظرة إلى سيدته، فردّت طرفها، وعلتها العفة، وهي أنبل نساء عصرها حياءاً، وأعظمهنّ خُلقاً، فانقلبت غبطتها تلك وفرحتها إلى حبٍّ لم تحسّ به من قبل، والى ودٍّ ما لامس مثله أحاسيسها أبداً، وإلى إكبار وتكريم ولجا قلبها ملأ كلّ منهما عليها حياتها . . . وهي التي تمرّدت على واقع نساء قومها، وامتنعت أمام أعظم قريش شرفاً ونسباً وثراءاً ومكانة . . . فالتفتت بعد حين إلى أختها على قول، وإلى صديقتها نفيسة بنت منبه على قول آخر; لتسرّها بأنّ ما قاله ميسرة عن محمد قد نفذ إلى روحها، وأنها وجدت فيه ما كانت تتمناه، ولم تجده فيمن تقدم لخطبتها، فما كان من نفيسة ـ وقد سرّت بما سمعته ـ إلاّ أن بادرت إليه ـ على رواية ـ فقالت له: ما يمنعك أن تتزوج؟
قال9: ما بيدي ما أتزوج به.
قالت: فإن كفيت ذلك، ودُعيت إلى الجمال والمال والشرف والكفاءة، ألا تجيب؟
قال: فَمن هي؟!
قالت: خديجة.
قال: كيف لي بذلك؟!
فقالت نفيسة، وقد علت ملامح وجهها الفرحةُ: عليّ ذلك، وسارعت لتبلغ خديجة بما سمعته من محمد9.
وفي رواية: وكانت لبيبةً حازمةً، فبعثت إليه تقول: يا ابن عمِّ، إني قد رغبتُ فيك لقرابتك، وأمانتك، وحسن خلقك، وصدق حديثك.[13]
لقد خصّها الله بكرامة ادّخرها لها، وكانت له من الشاكرين، واختارها لمكانتها وصفاتها لتكون امرأة خاتم رسله، وسيد الأولين والآخرين محمد بن عبدالله(صلي الله عليه و آله).
لم يتأخر محمد(صلي الله عليه و آله) في إبلاغ عمّه (أبوطالب) وعشيرته بذلك، كما لم تتأخر خديجة (عليها السلام) فقد أبلغت عمّها عمرو بن أسد، الذي حضر، ودخل رسول الله(صلي الله عليه و آله) عليه في عمومته، ومعه بنو هاشم وسائر رُؤساء مُضَر، فخطب أبوطالب فقال:
«ألحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم، وزرع إسماعيل، وضئضئ مَعَدّ، وعُنصر مُضر، وجعلنا حَضَنَة بيته، وسُوّاس حَرمِه، وجعل لنا بيتاً محجوباً، وحرماً آمناً، وجعلنا الحكام على الناس، ثم إنّ ابن أخي هذا محمد بن عبدالله لا يُوزن به رجل من قريش إلاّ رجح به شرفاً ونُبلاً وفضلاً وعقلاً، فإن كان في المال فلا، فإنّ المال ظلّ زائل، وأمر حائل، وعارية مسترجعة; ومحمد مَن قد عرفتم قرابته، وقد خطب خديجة، وبذل لها من الصداق ما آجله وعاجله من مالي هذا، وهو مع هذا ـ والله ـ له نبأ عظيم، وخطر جليل أو «له والله خطب عظيم ونبأ شائع».
فتزوجها وأصدقها عشرين بكرة، وقيل اثنتي عشرة (اثنتين وعشرين) أوقية ذهباً ونشّاً (نصف أوقية)، والأوقية أربعون درهماً، والنشّ عشرون درهماً; فذلك خمسمائة درهم.
وفي رواية: فقال لأعمامه . . ، فجاء معه حمزة عمّه حتى دخل على خويلد]خويلد بن أسد، وقيل: بل عمرو بن خويلد بن أسد، وقيل بل عمرو بن أمية عمّها، وكان شيخاً كبيراً وهو الصحيح، على ما في نهاية الأرب 16 : 98، وعند ابن سعد في الطبقات 1 : 132 وعن جمهرة النسب للكلبي :74 وهو عمرو بن أسد ابن عبد العزّى، وهو يومئذ شيخ كبير لم يبق لأسد لصُلبه يومئذ غيره، ولم يلد عمرو ابن أسد شيئاً[.[14]
إذن فقد اشتهر أنّ عمّها عمرو بن أسد، هو الذي زوّجها، وإن قيل: إنّ الذي زوجها أخوها عمرو بن خويلد; لأنّ أباها مات قبل حرب الفِجار، وهذا كلّه يكذب المزاعم، التي رويت من أنّ أباها زوّجها بعد أن سقته خمراً ... لتحصل بذلك على موافقته، لأنه لايوافق من تزويجها من فقير يتيم.
ففي رواية أحمد في مسنده: حدّثنا أبو كامل، ثنا حمّاد، عن عمّار ابن أبي عمار، عن ابن عبّاس ـ فيما يحسب حمّاد ـ أنّ رسول الله(صلي الله عليه و آله) ذكر خديجة(عليها السلام) وكان أبوها يرغب عن أن يزوّجه، فصنعت هي طعاماً وشراباً، فدعت أباها وزُمراً من قريش فطعِموا وشربوا ثم ثَمِلوا، فقالت لأبيها: إنّ محمداً يخطبني فزوِّجني إيّاه، فزوَّجها إياه، فخلَّقته (طيبته، وفي المسند «فجملته») وألبسته حُلّةً كعادتهم، فلما صحا نظر، فإذا هو مخلّق فقال: ما شأني؟ فقالت: زوّجتني محمّداً، فقال: وأنا أزوّج يتيم أبي طالب! لا لعمري، فقالت: أما تستحي؟ تريد أن تسفّه نفسك معي عند قريش بأنك كنت سكران، فلم تزل به حتى رضي.
وقد روى طرفاً منه الأعمش، عن أبي خالد الوالبي، عن جابر بن سُمرة أو غيره.
كما ذكر مختصر تاريخ دمشق رواية نسبت إلى عمار بن ياسر تشبه هذه الرواية.
وهذا ما نفاه الواقدي بعد نقله بقوله:
وهذا غلط، والثبت عندنا المحفوظ من حديث محمد بن عبدالله بن مسلم، عن أبيه، عن محمد بن جبير بن مطعم; ومن حديث ابن أبي الزّناد، عن هشام بن عُروة، عن أبيه، عن عائشة; ومن حديث ابن أبي حبيبة، عن داود بن الحُصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، أنّ عمّها عمرو بن أسد زوّجها رسولَ الله(صلي الله عليه و آله) وأنّ أباها مات قبل الفجار.[15]
وقد بلغت تلك الرواية من الضعف والسخف درجة كبيرة، فهي إضافة إلى منافاتها لأخلاق هذه السيدة المباركة، حتى قبل زواجها برسول الله(صلي الله عليه و آله) فقد شهد لها ـ في الجاهلية ـ بسمو الخلق والنجابة والشرف، وبرجاحة عقلها وقوة شخصيتها، مع ما لها من المكانة الكبيرة عند أهلها وعشيرتها، ممّا جعلها موضع فخر واعتزاز، وممّا يؤهلها لاقناع أبيها ـ على فرض حياته ـ بهذا الزواج.
يقول صاحب السيرة الحلبية عنها: إمرأة حازمة أي ضابطة جلدة، أي قوية شريفة أي مع ما أراد الله تعالى لها من الكرامة ومن الخير ... فامرأة تحمل هذه الصفات لا أظنها بحاجة إلى أن تستعين بأسلوب يتنافى مع كلّ ما مَنّ الله تعالى عليها من صفات كريمة،
وقد وصفت خديجة نفسُها هذا الأسلوب ـ حسب الرواية ـ بقولها إلى أبيها: تريد أن تسفه نفسك معي عند قريش بأنك كنتَ سكران! فهو إذن أمر معيب عندهم فكيف
ترتكبه؟! وإضافةً إلى هذا فإنّ الرواية تتنافى مع الرواية الأخرى التي نالت إجماع أكثر المؤرخين، من أنّ أباها توفي من قبل، وأنّ عمّها هو الذي زوجها، وعلى رواية ضعيفة أنّ أخاها زوجها.
وتمّ هذا الزواج المبارك، بعد رجوع النبي9من سفره إلى الشام بشهرين وخمسة وعشرين يوماً، وقبل بعثته نبيّاً بخمس عشرة سنة، وبعد أن أكمل(صلي الله عليه و آله) خمساً وعشرين سنة وشهراً وعشرة أيام من عمره المبارك،[16]وأخذت هذه السيدة مكانها الذي اختارتهُ السماء لها لتكون بجانبه(صلي الله عليه و آله) وهو يستعد لتحمل مهام أعظم رسالة سماوية إلى الناس كافة، فكانت للرسول(صلي الله عليه و آله) نعم الزوجة، ونعم السكن، ونعم النصير، وكان لها أحسن حظ طالما انتظرته وتمنته، ولم ينجو هذا الاقتران من حسد وبغض وغضب، فقد أحدث هزّة بين الرجال، الذين سبق لهم أن توافدوا على عتبة بابها، وهم يحملون معهم كلّ المغريات ليخطبوا يدها، إلاّ أنهم عادوا من حيث أتوا خائبين بعد أن رفضتهم، ولم تعبأ بما حملوه معهم من مال، ولم يجد شرفهم وزعاماتهم أيّ أثر في نفسها، فلاذ بعضهم بالسكوت، والبغض والحسد يأكلان قلبه، في حين لم يتمالك بعض آخر أحاسيسه ولسانه فقال: ما هذا إلاّ سحر، مسكينة خديجة، فقد سحرها اليتيم فشغفت به.
كما غضب عليها نساء قريش وهجرنها، وقلن لها: خطبك أشرافُ قريش، وأمراؤهم، فلم تتزوجي أحداً منهم، وتزوجت محمداً يتيم أبي طالب، فقيراً لا مال له؟!
فما كان من خديجة ـ بعدما سمعت بذلك كلّه ـ إلاّ أن صنعت طعاماً ودعت نساء قريش وكان بينهن نساء المبغضين، فلما اجتمعن وأكلن قالت لهن: معاشر النساء بلغني أنّ بعولتكن عابوا عليَّ فيما فعلته من أني تزوجت محمداً، وأنا أسألكم هل فيكم مثله، أو في بطن مكّة شكله من جماله وكماله وفضله وأخلاقه الرضيّة؟! وأنا قد أخذته لأجل ما قد رأيتُ منه، وسمعت منه أشياء ما أحد رآها، فلا يتكلم أحد فيما لا يعنيه، فكفّ كلّ منهن ومنهم عن الكلام.[17]
وقد تابع الزوجان حياتهما المباركة هذه، وجهادهما الدؤوب، وقدر لخديجة أن تكون في قلب الأحداث الجسام المملؤة بالآلام والشدائد المضنية، ووهبت كلّ ما تملكه من ثروة وهو كثير، ووضعته بين يدي رسول الله(صلي الله عليه و آله) ليضمّه إلى سيف علي7.
أنجبت له(صلي الله عليه و آله) كلّ أولاده إلاّ إبراهيم، فهو من مارية القبطية; وهم القاسم وبه كان(صلي الله عليه و آله) يكنى والطيب والطاهر ـ على قول ـ وقد ماتوا صغاراً رضعاً قبل بعثته المباركة، ورقية وزينب ـ على قول ـ وأمّ كلثوم وفاطمة الزهراء التي تزوّجها الإمام علي (عليه السلام).
ولم يتزوج رسول الله(صلي الله عليه و آله) غيرها طيلة حياتها المباركة معه، التي دامت قرابة خمس وعشرين سنةً.
إسلامها
من بركات الله تعالى الخاصة بهذه المرأة أن مَنّ عليها بأن اختارها لتكون أول نساء العالمين إسلاماً، وأسبقهن تصديقاً برسول الله ودعوته، وأخلص نسائه جهاداً، وأعظمهن وفاءاً وطاعة له، وأصبرهن تحملا لما لاقاه رسول الله من ضروب الأذى والتضييق، وأكثرهن بذلا وعطاءاً في سبيل الله ورسوله، فعن عبدالله بن مسعود: إنّ أول شيء علمت من أمر رسول الله(صلي الله عليه و آله) قدمتُ مكة مع عمومة لي أو ناس من قومي نبتاع منها متاعاً، فكان في بغيتنا شراء عطر، فأرشدنا إلى العباس بن عبدالمطلب، فانتهينا إليه وهو جالس إلى زمزم، فجلسنا إليه، فبينا نحن عنده إذ أقبل رجل من باب الصفا أبيض، ... كأنه القمر ليلة البدر، يمشي على يمينه غلام، حسن الوجه ... تقفوهم امرأة، قد سترت محاسنها، حتى قصد نحو الحجر فاستلمه ثم استلمه الغلام، واستلمته المرأة، ثم طاف بالبيت سبعاً والغلام والمرأة يطوفان معه، ثم استقبل الركن، فرفع يديه وكبّر، وقامت المرأة خلفهما، فرفعت يديها وكبرت، ثم ركع فأطال الركوع، ثم رفع رأسه من الركوع، فقنت مليّاً، ثم سجد وسجد الغلام معه والمرأة، يتبعونه، يصنعون مثلما يصنع، فرأينا شيئاً أنكرناه، لم نكن نعرفه بمكة، فأقبلنا على العباس فقلنا: يا أبا الفضل، إنّ هذا الدين حدث فيكم، أو أمر لم نكن نعرفه فيكم.
قال: أجل، والله، ما تعرفون هذا؟ قال: قلنا: لا، والله ما نعرفه، قال: هذا ابن أخي محمد بن عبدالله، والغلام علي بن أبي طالب، والمرأة خديجة بنت خويلد امرأته، أما والله، ما على وجه الأرض أحد نعلمه يعبد الله بهذا الدين إلاّ هؤلاء الثلاثة.
لقد آمنت برسول الله(صلي الله عليه و آله) ولم يسبقها إلى ذلك إلاّ الإمام علي (عليه السلام) كيف لا يكون كذلك، وقد قرأت ـ بما ألهمها الله تعالى، وبما منحها من قدرة وحكمة وبصيرة ونظرة ثاقبة لمستقبل الصادق الأمين ـ مستقبله وأنه ذو شأن كبير، ومقام كريم ومنزلة محمودة؟!
لقد واكبت مسيرته المباركة وهو في غار حراء، بخدمتها الصادقة وكلماتها الطيبة، التي تدل على مدى اخلاصها ونباهتها وصفائها: «وهيأت خديجة لزوجها ما يناسبه من حياة، فلما لجأ للتحنث في غار حراء، كانت تعدُّ له ما يحتاجه من طعام وشراب خلال الفترة، التي اعتكف فيها بالغار، فلما جاءه الوحي كانت أول من صدقه، وعانت معه صراع قريش ضده، وكانت البلسم الشافي لجراحه من هؤلاء المعتدين، ودخلت معه الشعب عندما قرر سادة قريش أن يقاطعوا المسلمين ...».[18]
كانت تسمعه كلمات رقيقة هادئة، كلما دخل بيتها عائداً من غار حراء، كلمات ملؤها الحنان والحب؛ تدعوه أن يطمئن، وتدعوه أحياناً أن يهدأ وينام، فكان يقول لها: «مضى عهد النوم يا خديجة!».
لقد كانت كلماتها تلاحقه وهو في بيته، وهو خارج منه، وهو في الغار، وهو يدعو عشيرته للإيمان، وهو في دار الأرقم يدعو الناس سراً، وهو في كل مكان في مكة يقارع قريشاً وشركها جهراً، وهو يرى أعداءه والمتربصين به، والمبغضين له، فكانت تخفّف عنه كلّ معاناته، وكلّ ما يلقاه من أذى وتكذيب وعنت من قومه.
وكان(صلي الله عليه و آله) يصرّح ويفضي لها بكلّ شيء; يقول ابن هشام في سيرته: وآمنت به خديجة بنت خويلد، وصدقت بما جاءه من الله، ووازرته على أمره، فخفف الله بذلك عن نبيه9لا يسمع شيئاً ممّا يكرهه من ردّ عليه وتكذيب له، فيحزنه ذلك، إلاّ فرّج الله عنه بها إذا رجع إليها، تثبته وتخفف عليه، وتصدقه وتهوّن عليه أمر الله، رحمها الله تعالى.[19]
ومن كلماتها له(صلي الله عليه و آله) أيضاً: «أبشر، فوالله، لا يخزيك الله أبداً، والله، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتؤدي الأمانة، وتحمل الكلَّ، وتقري الضيفَ، وتعين على نوائب الدهر.
في شعب أبي‌طالب
ما انفكت قريش تصعد عداءها لرسول الله ودعوته الجديدة، ولم يتوقف عملها في تجذير ذلك العداء في نفوس أبنائها قولاً وعملاً، وكلما ازداد رسول الله(صلي الله عليه و آله) وصحبه التزاماً بموقفهم وثباتاً على مبادئهم، ازداد عداءُ قريش لهم وأذاها، وقد رأت أنّ أهله وعشريته قد وفروا له الرعاية والحماية، فعزمت على شنّ حملتها على هذه الأسرة، وارتأت أن تتخذ وسيلة غير الحرب في أول أمرها فلعلّها تصل إلى أهدافها دون قتال، وما يجرّه هذا القتال من ويلات وانقسامات بين قبائلها، فاجتمع زعماؤها وكتبوا الصحيفة، التي قرروا فيها:
مقاطعة بني هاشم على المستويات الاجتماعية والاقتصادية، فلا يتزوجون منهم، ولا يزوجونهم، ولا يبيعون لهم ولا يشترون منهم، ولا يكلمونهم، ولا يزورون مرضاهم، ولا يشيعون موتاهم، وأكرهوهم أن يلزموا الشِّعب، وهو طريق بين جبلين.
أما نتائج هذه المقاطعة ـ التي استمرت حوالى ثلاث سنوات ـ فقد كانت قاسية جدّاً على بني هاشم، ومسّهم بسببها الضرّ، بل الجوع والحرمان ... ولم تنقض إلاّ بعد أن أشفق بعض القرشيين على بني هاشم بسبب ما نالهم من أذى وعذاب، فخرقوا هذه الوثيقة، وعادوا إلى الاتصال بهم.[20]
وهناك رواية: أنّ الأرضة أتت على كلّ شيء في الصحيفة، ولم تدع إلاّ اسم الله جلّ وعلا، وقد أوصى الله لمحمد بذلك، فنقل ذلك إلى عمّه أبي طالب، فتحدى أبوطالب جماعة المشركين، وأحضروا الصحيفة فظهر صدق محمد.
هذه خلاصة المقاطعة التي كانت خديجة ضحيةً من ضحاياها، فقد أصابها الضر أيما إصابة، وعانت معاناة عظيمة من آثار هذه المحاصرة الظالمة، ولكنها لاذت بالصبر، ووقفت إلى جانب رسول الله(صلي الله عليه و آله) موقفاً، يندر أن تقف مثله امرأة، وكان لشخصيتها ومكانتها وهيبتها في النفوس الأثر الكبير، إلى درجة أنها صارت من أسباب قيام خلاف ونزاع أدّى إلى انهيار موقف قريش، وترك العمل بالصحيفة، وفشل المقاطعة.
ففي السيرة النبوية: أنّ أبا جهل لقى حكيم بن حزام بن خويلد، ومعه غلام يحمل قمحاً إلى خديجة بنت خويلد زوجة الرسول وعمّة حكيم، فتعلق به أبوجهل، وقال: أتذهب بالطعام إلى بني هاشم، والله، لا تبرح أنت وطعامك حتى أفضحك بمكة، فجاءه أبوالبختري، وقال له: مالك وله؟ إنه طعام كان لعمته رغبتْ إليه فيه، فكيف تمنعه؟ فأبى أبوجهل، وقام نزاع كان من أسباب إغفال الصحيفة ونهاية المقاطعة.[21]
كما كان لهشام بن عمرو بن الحارث العاملي الذي كان من أقرباء خديجة دور آخر في بذر الخلاف بين زعماء المقاطعة، فقد كان أكثر الناس إقداماً على مساعدة المحصورين المقاطعين، فكان يدخل أحمال الطعام إلى بني هاشم في الشعب، وأرادت قريش معاقبته.
فانبرى أبوسفيان وقال: دعوه، رجل وصل رحمه، أما والله إني أحلف بالله لو فعلنا مثل ما فعل كان أحسن.[22]
مكانتها في قلب الرسول(صلي الله عليه و آله)
لم تتحمل أمّ المؤمنين عائشة، وهي ترى رسولَ الله(صلي الله عليه و آله) يذكر أمّ المؤمنين خديجة، فقالت: ما زلتَ تذكر بحسرة وألم، عجوزاً من عجائز قريش، حمراء الشدقين، هلكت من عدة سنين، وقد أبدلك اللهُ خيراً منها!
فما كان من رسول الله(صلي الله عليه و آله) بعد أن تغير وجهه الكريم، إلاّ وزجرها غاضباً، وقال: «واللهِ ما أبدلني الله خيراً منها» ولم يكتف(صلي الله عليه و آله) بهذا، بل راح يذكر مناقبها ـ التي ما فتئ يعيشها في حياته المباركة ـ : «آمنت بي حين كفر الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالِها إذ حرمني الناس، ورزقني منها اللهُ الولدَ دون غيرها من النساء».
فقالت عائشة في نفسها: والله لا أذكرها بعدها أبداً.[23]
وقبل ذلك لم تتوقف غيرة أمّ المؤمنين عائشة من أمّ المؤمنين خديجة، التي احتلت تلك المكانة العظيمة من قلب رسول الله(صلي الله عليه و آله) وظهر ذلك كلّه في مواقف عملية للرسول الكريم، حتى بعد وفاتها سلام الله عليها.
رأته عائشة يوماً وقد ذبح شاةً يقول: «أرسلوا إلى أصدقاء خديجة منها»، وهنا أيضاً، لم تتوقف عائشة عن أن تسمعه شيئاً، فقال(صلي الله عليه و آله) : «إني لأحبّ حبيبها».[24]
وظلت الغيرة لا تنفك عن قلبها من سيدتنا خديجة، لا لشيء ـ فالأمر كلّه بعد موتها ـ إلاّ لأنها سبقتها إلى نفس رسول الله(صلي الله عليه و آله) وإلى قلبه، فاحتلته بما امتلكته من خلق عال، وشرف رفيع، وايمان صادق، وجهاد خالص، وذكر طيب، وبما قدمته من حياتها التي استرخصتها، وثروتها وأموالها، كلّ ذلك وضعته بين يديه المباركتين; لنيل مرضاة الله، ولتُعينه وهو يحمل أعظم رسالة، وأخطر مسؤولية تبليغية تغييرية، عرضتها السماء، وعرفتها الإنسانية.
وحينما نصره الله تعالى وفتحت أبواب مكة له، وكان وقتها قد مرّ على وفاتها أكثر من عشر سنوات، وكانت كلّ تلك السنين مليئةً بالأحداث والشؤون المريرة، ولكنها مع كلّ ذلك لم تشغله عن ذكره لخديجة ـ أقام في قبة ضربت له هناك إلى جوار قبرها ـ حيث روحها التي تخفق حوله، فتريحه، وتؤنسه، وترافقه وهو يشرف على فتح مكة، ويطوف بالكعبة، ويحطم رموز الكفر والشرك، وهو بين لحظة وأخرى يرمق دارها، حيث نبع الحب، وحيث السكينة والمودة والحنان والتضحية.
وفيما قالته أمّ المؤمنين عائشة: كان رسول الله9إذا ذكر خديجة لم يكد يسأم من ثناء عليها واستغفار، فذكرها ذات يوم فاحتملتني الغيرة، فقلتُ: لقد عوضك الله من كبيرة السن، قالت: فرأيت رسول الله(صلي الله عليه و آله) غضب غضباً أُسقطتُ في جلدي، وقلتُ في نفسي: أللهم إنك إن أذهبت غضبَ رسول الله عني، لم أعد أذكرها بسوء ما بقيت، فلما رأى النبي(صلي الله عليه و آله) ما لقيت، قال: «كيف قلت؟ والله، لقد آمنت بي إذا كفر بي الناس، وآوتني إذ رفضني الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، ورزقتْ مني الولد إذ حرمتُموه مني».
قالت: فعدا وراح عليّ بها شهراً.
أما ما ورد فيها عن رسول الله(صلي الله عليه و آله)
ـ فعن عبدالله بن جعفر بن أبي طالب رضوان الله تعالى عليهما: أنّ رسول الله(صلي الله عليه و آله) قال: «أمرتُ أن أُبشر خديجة ببيت من قصب، لا صخب فيه ولا نصب».
قال ابن هشام: القصب ههنا: اللؤلؤ المجوَّف.[25]
ـ وعن عائشة، قالت: ما غرتُ من أحد ما غرتُ على خديجة، ولقد هلكت
قبل أن يتزوجني رسول الله(صلي الله عليه و آله) بثلاث سنين، ولقد أمر أن يبشرها ببيت من قصب في الجنة.[26]
ـ وقال ابن هشام: وحدثني من أثق به، أنّ جبريل أتى رسول الله(صلي الله عليه و آله) فقال: «أقرئ خديجةَ السلام من ربِّها، فقال رسول الله(صلي الله عليه و آله) : يا خديجة، هذا جبريلُ يُقرئك السلام من ربك، فقالت خديجة: اللهُ السلامُ، ومنه السلامُ، وعلى جبريل السلامُ».
عام الحزن
شاءت السماء أن تمتحن هذا القلب الكبير، وقد امتحنته مرات ومرات، ولكن هذه المرّة في زوجته التي أبت إلاّ أن تعيش كبيرة وتموت كبيرة، والتي كانت له وزيرَ صدق على الإسلام،[27]وكانت شريكته في حياته كلّها، في دعوته، وفي تبليغه لها، وفي جهاده وتضحياته.
لقد رحلت عنه في السنة العاشرة من البعثة النبوية، ودفنت في مقبرة الحجون بمكّة، بعد أن رحل قبلها ـ بشهور على قول وبأيام على قول آخر ـ عمّه أبوطالب الذي كان له عضداً وحرزاً في أمره، ومنعة وناصراً على قومه.[28]
لقد رحلت هذه المرأة العظيمة، لتنتهي برحيلها ورحيل أبي طالب العم المدافع والمحامي القوي أولى مراحل رسالة السماء، التي شكلت الفترة المكّية الأولى بكلّ آلامها وأحداثها، كما كانت الفترة التأسيسية لهذه الرسالة المباركة، وكان لوجوديهما المباركين الأثر العظيم في تشكيل تلك المرحلة التي دامت قرابة عشر سنوات، وفي بقائها واستمرارها وثباتها.
لقد رحلت هذه السيدة المباركة، بعد أن وصل نداء الإسلام الحبشة، وتجاوز صداه بقاع الحجاز، وبعد أن حملته قلوب صادقة ونفوس مضحية، وأياد قوية.
رحلت هذه السيدة الجليلة، وغابت عن دنياه، ولكنها لم ترحل عن قلبه النابض بمواقفها الصادقة.
رحلت هذه المرأة المباركة، ولكنها ظلت ماثلة دائماً أمامه، ولم ينس ذكراها أو يتأس عنها، أو يدخل قلبه غيرها، أو يحتل مكانها منه، بل ولم تستطع أيّ واحدة من نسائه ـ مهما بذلت من جهد ـ أن تبعد طيفها عنه وهو الذي ما فتئ يذكرها، وكان ذكره لها يثير غيرة بعض نسائه، وكانت أشدهن غيرة أمّ المؤمنين عائشة، فبذلت ما تستطيعه من أجل أن تنسيه ذلك الطيف الجميل، وتلك الذكرى العطرة، أو أن تخمد أو على الأقل تخفّف ذلك من قلبه فما استطاعت، مع أنها كانت في مطلع صباها ونضارة شبابها.
فسلامٌ على خديجة في الخالدين
 
 

[1] . السيرة الحلبية 1 : 137، باب تزوجه(صلي الله عليه و آله) خديجة بنت خويلد(عليها السلام).
[2] . مختصر تاريخ دمشق 2 : 275.
[3] . المصدر نفسه.
[4] . الطبقات الكبرى لابن سعد 1 : 100؛ أنساب الأشراف للبلاذري : 92.
[5] . مستدرك الحاكم 3:182 ، وقد كان كلام ابن اسحاق بلا إسناد .
[6] . مختصر تاريخ دمشق 2 :271.
[7] . البحار 16 : 22.
[8] . جوامع السيرة النبوية، ابن حزم الأندلسي المتوفى سنة 456هـ ، دار الكتب العلمية ـ بيروت .
[9] . لها ذكر في كتب الأنساب، فراجع على سبيل المثال: نسب قريش، لمصعب الزبيري: 157ـ 158.
[10] . الاستغاثة1 :70.
[11] . الصحيح في سيرة النبيّ9؛ الاستغاثة1: 68ـ69؛ رسالة مطبوعة طبعة حجرية في آخر مكارم الأخلاق: 6.
[12] . المناقب، لابن شهرآشوب المازندراني المتوفى سنة 588 ، 1 : 159 .
[13] . السيرة الحلبية 1 : 137 .
[14]. السيرة الحلبية 1: 138.
[15] . تاريخ الطبري 1 : 522 .
[16] . إتحاف الورى بأخبار أمّ القرى، السنة: 26.
[17]. البحار، للمجلسي 19 : 71.
[18]. سير أعلام النبلاء 1 : 81 .
[19]. السيرة النبوية، لابن هشام 1 :240 .
[20]. المصدر نفسه 1 :110،231؛ ابن القيم 2 : 46.
[21]. السيرة النبوية، لابن هشام 2 : 5 .
[22]. تاريخ قريش: 316 للدكتور حسين مؤنس.
[23]. الاستيعاب 4 : 1824 .
[24]. المصدر نفسه.
[25] . الروض الأنف؛ وانظر سيرة بن هشام 1: 241.
[26] . المصدر نفسه.
[27] . سيرة بن هشام 2 : 416.
[28] . المصدر نفسه.