شخصيات من الحرمين الشريفين
مشاهدات:902

أسماء بنت عميس داعية تحتذى


إنّ للنساء المؤمنات الصالحات تاريخاً رائعاً لم تنسه أقلامه ومصادره، وكيف ينسى، وقد غدا تاريخاً مثمراً متواصلاً جعل منهنّ أمثلةً تحتذى، ونماذج تقتدى؟!
ومن تلك النساء، مؤمنة صابرة حصلت على أوسمة متعددة من رسول الله(صلي الله عليه و آله) منها وسام الإيمان حيث قال:
«الأخوات الأربع مؤمنات: ميمونة، وأمّ الفضل، وسلمى، وأسماء».
صحابية جليلة، بعد أن عرفت بصبرها، وثباتها، ووعيها، وعبادتها، وبصيرتها، ومعرفتها في تأويل الرؤيا، وحفظها لكثير من الأحاديث النبوية وروايتها، وتسجيلها للعديد من المواقف النبيلة، نالت لقباً كبيراً ووساماً رفيعاً، طالما اشرأبت له الأعناق، إنه (لقب الهجرتين) وهو من رسول الله(صلي الله عليه و آله) أيضاً، حيث إنها عرفت بأنها صاحبة الهجرتين، فهي أول النساء المهاجرات إلى ديار الحبشة، حيث ملكها العادل، ثم يثرب مدينة رسول الرحمة محمد(صلي الله عليه و آله).
غدت هذه المرأة أنموذجاً يقتدى، ومثالاً يحتذى، كما قلنا بحق وجدارة، فهي زوجة وفية صالحة، عرفت بصبرها ووفائها، لبيوت حلّت فيها زوجة وأمّاً...
وهي أمّ مدرسة نقالة أينما كانت، وحلّت في مكة، وفي الحبشة، وفي يثرب، بكل ما تحمله هذه المدرسة، من دروس قيمة، ومفاهيم صادقة، ومبادئ عالية...
وهي داعية مخلصة، هنا وهناك، حفلت حياتها بمفاصل قيمة، وألوان زاهية، وأغصان مؤرقة، راحت تثمر دروساً في بناء المؤمنة الداعية، والأسرة المسلمة الصادقة، والأبناء الصالحين، الذين أحاطتهم ببيئة نظيفة، وتربية سليمة...
وإنّ قراءة حياتها، كما حياة الأخريات من الصالحات المربيات، يؤكد ضرورة وأهمية التواصل الإيجابي بينهنّ ومجتمعهن، بل ومجتمعات أجيال أخرى جاءت بعدهن، وإن دل هذا فإنه يدل على عظم الرسالة السماوية، التي صنعتهنّ بعد أن وفقن للإيمان بها، وصرن أعضاء عاملات في مدرسة النبوة المقدسة، والصحبة المباركة، وما أعظمها من صحبة خرّجت نخباً صالحة من الرجال والنساء.
نسبها
هي أسماء بنت عميس بن معد بن تيم بن الحارث ـ أو معد بن الحارث بن تيم ـ بن كعب بن مالك بن قحافة بن عامر بن ربيعة بن عامر بن سعد بن مالك بن نسر ـ أو بشير ـ بن وهب الله بن شهران بن عفرس بن خلف بن أفتل وهو خثعم.[1]
هذا نسبها من أبيها.
وأمّها: هند بنت عوف بن زهير بن الحارث الكنانية، أو هي هند بنت عوف بن الحارث، وهو حماطة بن ربيعة بن ذي جليل بن جرش، واسمه منبه بن أسلم بن زيد بن الغوث بن سعد بن عوف بن عدي بن مالك بن زيد بن سهل بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد شمس بن وائل بن الغوث بن قطن بن غريب بن زهير بن أيمن بن الهميسع بن حمير، وهو العرنجج بن سبا بن يشجب بن يعرب بن قحطان، كما في مقاتل الطالبيين، أو هي بنت عوف بن زهير بن الحارث ابن حماطة... كما في الطبقات.
وهند هذه التي هي أم أسماء بنت عميس التي قيل فيها:
الجرشية أكرم الناس أحماء، و جرش من اليمن.
وابنتها أسماء بنت عميس، تزوجها جعفر بن أبي طالب، ثم أبوبكر، ثم أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام).
وابنتها الأخرى، ميمونة أمّ المؤمنين، زوجة النبي(صلي الله عليه و آله) وهي آخر امرأة تزوجها(صلي الله عليه و آله) .
وابنتها الأخرى، لبابة أمّ الفضل أخت ميمونة، أم ولد العباس بن عبدالمطلب.
وابنتها الأخرى، سلمى بنت أم ولد، حمزة بن عبدالمطلب، وقد ولدت له ابنته عمارة.
إذن، فأحماؤها، أي أحماء هذه الجرشية هم: رسول الله(صلي الله عليه و آله) وأميرالمؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) والحمزة، والعباس، وجعفر، وأبوبكر، ومن أحمائها أيضاً الوليد بن المغيرة المخزومي، فأمّ خالد بن الوليد، أمّ الفضل الكبرى بنت الحارث أخت أسماء لأمها.
وميمونة أمّ المؤمنين، أبوها الحارث بن الجون بن بجير بن الهرم بن رويبة بن عبد الله بن هلال بن عامر، وأم المؤمنين هذه هي أخت أسماء من أمّها.
وأخوات ميمونة لأمها، هنّ عشر أخوات، وست أخواتها لأبيها.[2]
زواجها
وقع اختلاف بينها وأختها سلمى، حيث قيل: إن أسماء بنت عميس كانت قبل الإسلام تحت حمزة بن عبدالمطلب ابن عمّ رسول الله(صلي الله عليه و آله) أنجبت له ابنة «أمة الله»، ثم من بعده كانت تحت شداد بن الهادي الليثي، وأنجبت له «عبدالله وعبدالرحمن» ولكن ردّت هذه الدعوى بأنّ المرأة التي كانت تحت حمزة وشداد هي سلمى بنت عميس أختها، وليس أسماء.
والشيء المتيقن أنها تزوجت ابن عمّ رسول الله(صلي الله عليه و آله) جعفر الطيار بن أبي طالب، والذي كان شبيهاً به(صلي الله عليه و آله) فقد كان(صلي الله عليه و آله) يقول لجعفر: «أنت أشبه الناس بخلقي وخلقي».[3]
فكان ذلك يسرّ أسماء، ويسعدها عندما ترى زوجها شبيهاً بأحسن الخلق وأفضلهم وأحبهم إليها، فكان يحرّك فيها مشاعر الشوق لرؤية النبي الكريم(صلي الله عليه و آله) .
وقد أسلمت مع زوجها جعفر ـ الذي ظلّ طيلة حياته معها يبادلها المحبة والوفاء والرفقة الصالحة حتى في مسيرتهما الإيمانية ـ في وقت واحد ومبكر من عمر الدعوة، حتى يقال: إنّ إسلامهما كان قبل دخول رسول الله(صلي الله عليه و آله) دار الأرقم بمكة.
أسماء ، في بلاد الهجرة الأولى
ما إن قرّر زعماء ومشركو قريش معاقبة المؤمنين، حتى أذن رسول الله(صلي الله عليه و آله) لأصحابه بالهجرة إلى الحبشة، فكانت أسماء وبرفقة زوجها جعفر، وبعد فترة قليلة من زواجهما، واحدةً ممن شدّ الرحال هجرةً في سبيل الله تعالى، و تنفيذاً لطلب الرسول(صلي الله عليه و آله) و فراراً بدينهم وأنفسهم، فوثقت هجرتهما الحياة بينهما، وملأت عليهما أجواء إيمانية، جعلت منهما نعم الزوجين، المؤمنين، المهاجرين، المجاهدين، الصابرين، الصادقين، بعد أن أدركا أنّ الآخرة خير من الأولى.
إذن، ما إن وصل المهاجرون إلى بلاد الحبشة، حتى كانت أسماء وزوجها جعفر، وهو أمير المهاجرين، وابنهما عبدالله على قول، في مقدمة ذلك الركب العظيم، وكانت واحدة من ست عشرة امرأة مهاجرة... ليقيموا في بيت بسيط تكتنفه آلام الغربة، والبعد عن الرسول(صلي الله عليه و آله) وصحبته المباركة، وعن الوطن والأحبة، وتملؤه المودة، والمحبة، والاحترام، لتجعل منهما مثالاً للزوجين الصالحين.
حقاً لقد ملأ هذا الصحابي الجليل، حياة زوجته أسماء بكل معاني الخير، مما حداها أن تكون شريكته الصالحة في حمل مسؤولية هذا الدين الحنيف، ونشر دعوته في مهجرهما الجديد; إضافةً إلى تحملها تربية أولادها الثلاثة الذين منّ الله تعالى عليهما بهم، فقد أنجبت لجعفرفي بلاد الحبشة: عبدالله، و محمداً، وعوفاً، وكان ولدها عبدالله أكثر شبهاً بأبيه الذي كان شبيهاً بالنبي الكريم(صلي الله عليه و آله) فكانا كلما اشتاقا لرؤية رسول الرحمة(صلي الله عليه و آله) ملئآ عيونهما منه.
 بقيت هذه الصحابية المؤمنة الصابرة وزوجها في الحبشة خمس عشرة سنة أو أقلّ من هذا بقليل، وقعت فيها أمور عديدة واصل فيها رسول الله(صلي الله عليه و آله) دعمه لهم، عبر موفده عمرو بن أمية الضمري يتفقدهم، ويستوضح ما عندهم، ويعلمهم أحكام الله، وما ينزل من آيات قرآنية.
وفي المقابل كانت قريش هي الأخرى، ترسل وفودها إلى ملك الحبشة، لتحثه على تسليمهم وإعادتهم إليه، فقد جاء وفد من قريش إلى ملك الحبشة (النجاشي) يطالبونه بإعادة المسلمين إلى مكة، وكان يضم عمرو بن العاص، وكانوا يقولون له:
«قد ضوي إلى بلدك منّا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينك، وجاؤوا بدين‌ٍ ابتدعوه، لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردّهم إليهم».
فما كان من النجاشي إلاّ أن أرسل بطلب وفد المسلمين، يسألهم بشأن هذا الأمر، فتقدم جعفر بن أبي طالب، زوج أسماء، فقال:
«أيها الملك كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، حتى بعث الله إلينا رسولاً منا، فدعانا إلى الله لنوحّده ونعبده، ونخلع الأوثان، وأمرنا أن نعبدالله وحده، لانشرك به شيئاً، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام...».
فتشوّق النجاشي لسماع المزيد; فسأله عما جاء به النبي(صلي الله عليه و آله) من عندالله، فما كان من جعفر إلاّ أن أسمعه من سورة مريم...
 فبكى النجاشي حتى أخضلّت لحيته، وبكت معه أساقفته، فقال النجاشي:
«إنّ هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة، إنطلقا، فلا والله لا أسلمهم إليكما ولا يكيدهم أحد».
فكان ذلك سبباً في إسلام النجاشي، وكان النجاشي سبباً في إسلام وفد قريش، والذي كان من بينهم عمرو بن العاص.
وقد سمّى النجاشي ولده (عبد الله) على اسم ابن جعفر وهو عبد الله، وليس هذا فقط، بل إنّ أسماء قد أرضعته مع ولدها عبد الله بن جعفر، وبالتالي فهما أخوان بالرضاعة، وهذا دليل على عمق العلاقة بين العائلتين: عائلة النجاشي وعائلة جعفر.
إنّ ذلك كان اختباراً عظيماً لهذه الفئة المؤمنة، وأسماء منها تؤدي رسالتها كأفضل داعية قولاً وعملاً وسلوكاً...
هجرتها الثانية
كم كان سرور رسول الله(صلي الله عليه و آله) عظيماً حين عادت أسماء وجعفر من الحبشة إلى المدينة المنورة، وهو يعيش فرحة فتح خيبر، وقد عبّر عن فرحتيه، فقال(صلي الله عليه و آله) بعد أن قبّل بين عيني جعفر:
«ما أدري بأيّهما أنا أسرّ: بفتح خيبر أم بقدوم جعفر؟!!».[4]
هي و الخليفة الثاني
ما إن عادت من هجرتها إلى الحبشة، التي تأخرت فيها، حتى وفقت وزوجها وأولادها إلى هجرة أخرى، وهذه المرة إلى حيث رسول الله(صلي الله عليه و آله) إلى المدينة، وما إن التقت بحفصة زوج النبي(صلي الله عليه و آله) حتى دخل عليهما عمر بن الخطاب قائلا:- «لقد سبقناكم بالهجرة فنحن أحقّ برسول الله(صلي الله عليه و آله) منكم أو: يا حبشية، سبقناكم بالهجرة!
فغضبت وقالت:
«أي لعمري لقد صدقت! كنتم مع رسول الله(صلي الله عليه و آله) يطعم جائعكم، ويعلّم جاهلكم، وكنّا البعداء الطرداء، أما والله لآتين رسول الله(صلي الله عليه و آله)فلأذكرن ذلك له، و لاأنقص ولا أزيد في ذلك» فذكرت ذلك له، فقال(صلي الله عليه و آله):
«لكم الهجرة مرتين، هاجرتم إلى النجاشي! وهاجرتم إلّي»، أو «للناس هجرة واحدة، ولكم هجرتان».
 وعن البخاري في صحيحه عن أبي موسى، أنه قال:
بلغنا مخرج النبي(صلي الله عليه و آله) ونحن باليمن، فخرجنا مهاجرين إليه، فركبنا فالقتنا سفينتنا إلى النجاشي بالحبشة، فوافقنا جعفر بن أبي طالب، فأقمنا معه، حتى قدمنا جميعاً، فوافقنا النبي(صلي الله عليه و آله) حين افتتح خيبر، وكان أناسٌ من الناس يقولون لنا ـ يعني أهل السفينة ـ :
سبقناكم بالهجرة!
ودخلت أسماء بنت عميس ـ وهي ممّن قدم معنا ـ على حفصة زوج النبي(صلي الله عليه و آله) زائرة، وقد كانت هاجرت إلى النجاشي فيمن هاجر، فدخل عمر على حفصة وأسماء عندها، فقال عمر: الحبشية هذه، البحرية هذه؟
قالت أسماء: نعم.
قال: سبقناكم بالهجرة، فنحن أحقّ برسول الله(صلي الله عليه و آله) منكم!
فغضبت وقالت: كلاّ والله، كنتم مع رسول الله(صلي الله عليه و آله) يطعم جائعكم، ويعظ جاهلكم، وكنا في الدار أو في أرض البعداء البغضاء بالحبشة، وذلك في الله وفي رسوله(صلي الله عليه و آله) وأيم الله، لا أطعم طعاماً، ولا أشرب شراباً، حتى أذكر ما قلت لرسول الله(صلي الله عليه و آله) وأسأله، والله لا أكذب ولا أزيغ ولا أزيد عليه.
قال: «فما قلت له؟».
قَالَت: قلت له: كذا وكذا.
قَال(صلي الله عليه و آله) : «ليس بأحق بي منكم، وله ولأصحابه هجرة واحدة، ولكم أنتم أهل السفينة هجرتان».
قَالَت: فَلَقَد رأيت أبا موسى، وأصحاب السفينة، يأتوني أرسالاً يسألوني عن هذا الحديث، ما من الدنيا شيء هم به أقرح، ولا أعظم في أنفسهم، مما قال لهم النبي(صلي الله عليه و آله).
فقد قضى رسول الله(صلي الله عليه و آله) لها ـ رضوان الله تعالى عليها ـ ولمن كان معها في الهجرة بالسبْق على عمر وهجرته، وهكذا جاهدت أسماء لتثبت حقها الشرعي وحقّ إخوانها الذين صحبوها في المشوار الطويل هجرةً ودعوة، وها هي تبشِّر وتَنْشُر هذا الأمر بين من كانوا، يأتونها جماعات للسؤال عن حديث رسول الله(صلي الله عليه و آله) وقضائه لهم بالسبْق في الهجرة والجهاد.
فسرّت بقول رسول الله(صلي الله عليه و آله) هذا وأثلج صدرها، ولم يكن ذلك من رسول الله(صلي الله عليه و آله) تطييباً لخاطرها، وإراحةً لنفسها فقط، بل كان منه(صلي الله عليه و آله) توضيحاً للحقيقة، وتبييناً للواقع العظيم الذي عاشوه، والهدف الكبير الذي حملوه، وقطعاً لدابر الفتنة، فهم تركوا مكة فارّين بدينهم إلى الحبشة، فكانت هجرة، وهم كذلك انتقلوا من بلاد الحبشة إلى المدينة المنورة، فهذه هجرة أخرى!!!
الامتحان الكبير
حلّت أسماء في بيت النبوة مع زوجات النبي(صلي الله عليه و آله) وبناته، فيما راح جعفر يشهد مع رسول الله(صلي الله عليه و آله) مواقفه الجهادية... إنه ابتلاء آخر لإيمان أسماء، وصبرها، وصمودها، وثباتها، إنه يوم مؤتة ووقعتها، يوم الشهادة، شهادة من؟! شهادة زوجها جعفر، وهو يقارع أعداء الإسلام ونبيه...
حزن رسول الله(صلي الله عليه و آله) حزناً شديداً حين وصله خبر استشهاد عزيزه وحبيبه جعفر، الذي كان يحظى بمعزة خاصة، ومنزلة رفيعة عنده(صلي الله عليه و آله) فهو شبيهه وداعيته الثابت الواعي والمجاهد الواعد، فكان يستحق منه ذلك الألم والحزن...، جاء(صلي الله عليه و آله و سلم)أسماء، وهو يحمل إليها نبأ استشهاد حبيبها، ورفيق إيمانها وهجرتها، وها نحن نقرأ ما قالته رضوان الله تعالى عليها.
«أصبحتُ في اليوم الذي أصيب فيه جعفر وأصحابه، فأتاني رسول الله(صلي الله عليه و آله) ولقد هنأت (أي دبغت أربعين إهاباً من أدم) وعجنت عجيني، وأخذت بنىّ فغسلت وجوههم ودهنتهم، فدخل عليّ رسول الله(صلي الله عليه و آله) فقال:
«يا أسماء: أين بنو جعفر؟» فجاءت بهم، فقبّلهم رسول الله(صلي الله عليه و آله) وبكى، فأحست أسماء بحدوث شيء لزوجها، فسألت النبي(صلي الله عليه و آله) فقال لها:
«قتل جعفر اليوم».
فقامت تصيح وتنحب، حتى اجتمع عليها الناس يهدؤنها من روعها.
فقال(صلي الله عليه و آله) : "يا أسماء! لا تقولي هجراً ولا تضربي صدراً "، فكان حزنها عظيماً وبكاؤها مريراً...
وفي خبر آخر، إنه لما نعى رسول الله(صلي الله عليه و آله) جعفراً إلى زوجه أسماء بنت عميس، قامت وصاحت وجمعت الناس، فدخلت عليها فاطمة بنت النبي(صلي الله عليه و آله) وهي تبكي وتقول: وا عمّاه!
فقال رسول الله(صلي الله عليه و آله) : على مثل جعفر فلتبك البواكي!!!
فكان رسول الله(صلي الله عليه و آله) يطمئنها قائلاً:
«يا أسماء! هذا جعفر بن أبي طالب، قد مرّ مع جبريل وميكائيل»، فرد عليه السلام، ثم قال صلوات الله عليه: فعوّضه الله عن يديه جناحين يطير بهما حيث شاء.
وورد إنه(صلي الله عليه و آله) توجه بالدعاء قائلاً: أللهم اخلف جعفراً في أهله وبارك لعبدالله.
ثم رجّع ـ بتشديد الجيم ـ وقال: إصنعوا لآل جعفر طعاماً، فقد شغلوا عن أنفسهم.
وقد نقل الصدوق عن الإمام الصادق(عليه السلام) : إنّ النبي(صلي الله عليه و آله) أمر فاطمة أن تأتي أسماء بنت عميس، ونساؤها وأن تصنع لهم طعاماً ثلاثة أيام، فجرت بذلك السنّة.
وما إن ذكرت أسماء يتم أولادها حتى قال(صلي الله عليه و آله) لها:
«العيلة تخافين عليهم، وأنا وليهم في الدنيا والآخرة». رواه أحمد.
ثم رثته رضوان الله عليه ببيتين من الشعر، وهو ما عثرت عليهما:
فآليت لا تنفك عيني حزينة

 
عليك و لاينفك جلدي أغبرا

فلله عيناً من رأى مثله فتى

 
أكر وأحمى في الهياج وأصبرا

وهي القائلة: ما رأيت شاباً من العرب، كان خيراً من جعفر.
ظلّت أسماء صابرة وفية لذكرى زوجها، وحبيبها، ورفيق دربها، يظهر كل هذا وغيره من خلال انكبابها على رعاية أولادها، وتنشئتهم تقرؤهم القرآن، وتعلّمهم مبادئه، ومفاهيمه، وأحكامه، ولم يشغلها أولادها عن الدعوة إلى الله تعالى بين أخواتها المؤمنات... وبقيت مجالسها عامرة بذكرالله تعالى.
وفاؤها لفاطمة الزهراء(عليها السلام)
كانت تتوفر على حبّ كبير، ومودة عالية لسيدة نساء العالمين، فاطمة الزهراء(عليها السلام) ونورد هنا بعض ما روي في حبّها وتعلقها المتواصل بسيدة نساء العالمين، فاطمة الزهراء(عليها السلام) :
فقد روي في تزويج فاطمة(عليها السلام) : أنّ رسول الله(صلي الله عليه و آله) أمر النساء بالخروج، فخرجن مسرعات إلاّ أسماء فقد تأخرت، فدخل النبي(صلي الله عليه و آله).
وهنا تقول أسماء: فلما خرج رأى سوادي، فقال: مَن أنتِ؟
فقلت: أسماء بنت عميس.
قال: ألم آمرك أن تخرجي؟!!
فقالت: بلى يا رسول الله، وما قصدت خلافك، ولكن كنتُ قد حضرت وفاة خديجة، فبكتْ عند وفاتها، فقلتُ لها: تبكين وأنت سيدة نساء العالمين، وزوجة رسول الله(صلي الله عليه و آله) ومبشّرة على لسانه بالجنة؟!
فقالت: ما لهذا بكيتُ.. ولكنّ المرأة ليلة زفافها لابدّ لها من امرأة، وفاطمة حديثة عهد بصبا، وأخاف أن لا يكون لها مَن يتولّى أمرها.
فقلت لها: يا مولاتي، لك عهد الله عليّ إن بقيت إلى ذلك الوقت، أن أقوم مقامك في ذلك الأمر.
فبكى رسول الله(صلي الله عليه و آله) وقال:
" أسأل الله أن يحرسك يا أسماء من فوقك، ومن تحتك، ومن بين يديك، ومن خلفك، وعن يمينك، وعن شمالك، من الشيطان الرجيم".
وروي أيضاً أنها كانت حاضرة عند سيدة نساء العالمين فاطمة، في ولادة الإمام الحسن(عليه السلام) كما في الرواية التالية...
تذكير مهم
وهنا لابدّ لي من تسجيل هذا التذكير حول حضور كلّ من أسماء بنت عميس وزوجها جعفر، زفاف سيدة نساء العالمين لعليّ(عليه السلام) وهي أنّ أسماء هاجرت إلى الحبشة مع رفاق دربها، وعلى رأسهم زوجها جعفر الطيار، بعد البعثة النبوية، وقبل الهجرة النبوية إلى المدينة، في السنة الخامسة، وكانوا آخر العائدين هي وزوجها وصحبه إلى المدينة دار هجرتهم الثانية، سنة 7 هجرية، فيما كانت سنة زواج سيدة نساء العالمين من الإمام عليّ(عليه السلام) سنة 2 أو 3 هجرية، أو في السنة الأولى للهجرة، كما عليه بعض الروايات
والمفروض أنّ أسماء وأيضاً جعفر، كانا في هذا الوقت في الحبشة! فكلّ هذا وغيره من الأخبار وقع فيه اشتباه، انتبه إليه بعضهم: كمحمد بن يوسف الكنجي الشافعي في كتابه «كفاية الطالب» حيث قال:
إنّ ذكر أسماء بنت عميس في خبر تزويج فاطمة(عليها السلام) غير صحيح، لأنّ أسماء التي حضرت في عرس فاطمة إنما هي بنت يزيد بن السكن الأنصارية، ولها أحاديث عن النبي(صلي الله عليه و آله) وأسماء بنت عميس كانت مع جعفر بن أبي طالب بالحبشة، وقدم بها يوم فتح خيبر سنة سبع، وكان زواج فاطمة(عليها السلام) بعد بدر بأيام يسيرة.
أما في كشف الغمة، فقد احتمل أن تكون سلمى بنت عميس هي التي حضرت زفاف فاطمة الزهراء(عليها السلام).
وهنا لا بد لي من القول:
1 ـ إنّ هذه الأنصارية كانت من أهل يثرب وتسكن فيها.
2 ـ لم تكن مسلمةً حين وفاة أم المؤمنين خديجة في مكة، وقد توفيت قبل هجرة رسول الله(صلي الله عليه و آله) إلى المدينة.
والرواية تذكر أنّ أسماء حضرت وفاة خديجة، وراحت هذه الأخيرة تبكي وتشكو لها خوفها على ابنتها السيدة فاطمة، فيما تعهدت أسماء إن بقيت إلى ذلك الوقت، أن تقوم مقامها، أي مقام السيدة خديجة، في رعاية ابنتها... فكيف لهذه الأنصارية أسماء بنت يزيد بن السكن ـ وهي في المدينة، وهي لم تكن بعدُ مسلمة ـ تأتي إلى مكة لتحضر وفاة أم المؤمنين خديجة، وتعطي ذلك العهد؟!
والنتيجة التي يبدو لي أنها قد تكون الأقرب إلى الصحة، ما احتمله صاحب كشف الغمة، من أنّ الحاضرة ذلك الزفاف، هي سلمى أخت أسماء بنت عميس، وكانت سلمى زوجةً لحمزة بن عبد المطلب رضوان الله عليه.
وماوقع هو اشتباه من الرواة في أسماء بنت عميس، وفي وجود جعفر أيضاً.[5]
وعلى أيّة حال، فقد كانت العلاقة وطيدةً بين سيدة نساء العالمين وأسماء، فهي التي تشرّفت بتمريضها أيضاً حتى نفسها الأخير، وقد أوصتها بوصاياها في تكفينها وتشييعها، وهي التي نعتها إلى الإمام عليّ(عليه السلام) وشاركته في تغسيلها، وتكفينها، وترحيلها، إلى مثواها الأخير....[6]
فلما رأت(عليها السلام) دنوّ أجلها، وأنها تسرع الخطى للّحاق بأبيها(عليها السلام) طلبت من أسماء بنت عميس أن تحضر لها ماءاً لتغتسل به، فاغتسلت، و لبست أحسن ثيابها... و طلبت من أسماء أن تضع لها فراشاً وسط البيت، فاضطجعت في فراشها، و هي مستقبلة القبلة، ثم دعت أسماء و أم أيمن، وطلبت إحضار علي بن أبي طالب(عليه السلام) فحضر عليّ(عليه السلام) وراحت(عليها السلام) توصيه بوصاياها...
«يا ابن العم! إنه قد نعيت إلى نفسي، و إنني لا أرى ما بي إلاّ أنني لاحقة بأبي ساعة بعد ساعة، و أنا أوصيك بأشياء في قلبي».
قال لها علي(عليه السلام): «أوصيني بما أحببت يا بنت رسول الله».
فجلس عند رأسها، و أخرج من كان في البيت، ثم قالت: «يا ابن العم! ماعهدتني كاذبة، ولا خائنة، ولا خالفتك منذ عاشرتني».
فقال: «معاذ الله، أنت أعلم، وأبرّ، وأتقى، وأكرم، وأشدّ خوفاً من الله، من أن أوبخك بمخالفتي، وقد عزّ عليَّ مفارقتك وفقدك، إلاّ أنه أمر لابدّ منه، والله لقد جددت عليَّ مصيبة رسول الله(صلي الله عليه و آله) وقد عظمت وفاتك و فقدك، فإنّا لله و إنّا إليه راجعون، من مصيبة ما أفجعها وآلمها وأحزنها، هذه والله مصيبة لا عزاء عنها، ورزية لا خلف لها».
ومن ضمن ما قالته(عليها السلام) في وصيتها للإمام(عليه السلام) مما له علاقة بمقالتها هذه:
... أوصيك يا ابن عم أن تتخذ لي نعشاً...[7]
وفعلاً، فقد قام الإمام عليّ(عليه السلام) بتغسيلها، ولم يشاركه أحد من النساء إلاّ أسماء بنت عميس، وكان الحسنان يحملان الماء، ويدخلانه إلى المغتسل، ولم يشارك في الغسل، ولم يحضرها غيره، وغير الحسنين، وزينب وأم كلثوم، وفضة جاريتها، وأسماء بنت عميس، ثم صلّى عليها عليّ(عليه السلام)...
ثم وضعها على نعش، صنعته أسماء بنت عميس لفاطمة(عليها السلام)...
وقد ذكر المؤرخون، أنّ أول من حُمل على نعش، هي فاطمة(عليها السلام) صنعته لها أسماء بنت عميس، على النحو الذي شاهدته في الحبشة، أيام هجرتها.[8]
وقد روي عن أبي عبد الله الصادق(عليه السلام) قال:
«أول نعش أحدث في الإسلام نعش فاطمة، إنها اشتكت شكوتها التي قبضت فيها، و قالت لأسماء: إني نحلت، وذهب لحمي، ألا تجعلين لي شيئاً يسترني؟ قالت أسماء: إني إذ كنت بأرض الحبشة، رأيتهم يصنعون شيئاً أفلا أصنع لك؟ فإن أعجبك أصنع لك.
قالت: نعم.
فدعت بسرير، فأكبته لوجهه، ثم دعت بجرائد فشددته على قوائمه، ثم جلّلته ثوباً، فقالت: هكذا رأيتهم يصنعون.
فقالت فاطمة: إصنعي لي مثله، أستريني سترك الله من النار».
كما ظلّت وفية لبيوت أخرى، شاءت السماء أن تحلّ فيها زوجة، بعد أن راح يتمنى الاقتران بها رجال رأوا فيها صدق الإيمان، وعمق الوعي، ونفاذ البصيرة والعقل والحكمة، فكان الخليفة الأول أوّل المتقدمين إليها، بعد استشهاد جعفر بن أبي طالب، ورزقها الله منه محمداً، نعم العبد الصالح، المطيع لله ورسوله وأهل بيته، والمتفانين في سبيلهم...
تعهّدت مسؤولية تربية أبنائها من جعفر، ضمّت إليهم ابنها محمد من أبي بكر، وهي تدعو الله أن يصلح بالهم، وأن يجعلهم على الصراط المستقيم...
مع الإمامة
وقدّر لهذه المرأة الصالحة، أن تحل في بيت ارتضاه الله تعالى أن يكون من بيوته، بيت إيمان وطهر، بيت إمامة وصدق، فتشرفت بأن تقترن بمن عرف بقرابته القريبة، من رسول الله(صلي الله عليه و آله) وبقدمه في الإسلام، ونصرته، وجهاده، و بمن وصفه رسول الله(صلي الله عليه و آله) بصفات عظيمة، لم تتوفر لغيره كالأخوة، والوصية، والخلافة، والولاية...، وقد عصت على الجميع وأبت إلاّ أن تكون لعليّ وعليّ فقط، وهو رفيق رسول الله(صلي الله عليه و آله) وصهره لابنته الراحلة فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين، وهو شقيق جعفر الطيار زوجها الشهيد، وهو عمّ أولادها الثلاثة، وهو فوق كل هذا وغيره، أروع شخصية صنعتها السماء بعد رسول الله(صلي الله عليه و آله) وبدخولها هذا المنزل المبارك تكون قد دخلت أفضل وأعظم مصداق لمدرسة النبوة والإمامة، ومن أوسع أبوابها، لتكون أنموذجاً حياً لأخلاق القرآن والإسلام...
لقد تزوج أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) بأسماء بنت عميس، وانتقلت إليه برفقة أولادها الأربعة، ليتذوقوا مفاهيم وقيم النبوة والإمامة، من أصدق منابعها; وعاشت معه، فكانت صورةً رائعة للمرأة المسلمة، والداعية المؤمنة، وقد أولدها يحيى و عوناً، فكانت مثالاً حياً للزوجة الصالحة، والأم المربيّة، فجعلت الإمام(عليه السلام)معجباً برجاحة عقلها، وهو ما تنطق به سيرتها، وما تجده واضحاً حينما اختلف كل من ولديها:
" محمد بن جعفر ومحمد بن أبي بكر" وراح كل منهما يتفاخر بأبيه، فقال كلّ منهما للآخر: " أنا أكرم منك، وأبي خير من أبيك".
وأحال الإمام عليّ هذا الأمر إليها ـ رضوان الله تعالى عليها ـ لتقضي بينهما، إذن، كيف استطاعت أن ترضيهما؟!
وقفت أسماء بينهما، و قالت غير مترددة ولا منتظرة طويلاً: "ما رأيت شاباً من العرب خيراً من جعفر، ولا رأيت كهلاً خيراً من أبي بكر". فسكت الولدان، وتصالحا.
فقال عليّ مداعباً: فما أبقيت لنا أو ما تركت لنا شيئاً، ولو قلت غير الذي قلت لمقتك!
قالت: إن ثلاثة أنت أحسنهم خياراً!!!.[9]
لقد كبرت في عين عليّ، حتى أصبح يردد في كل مكان:
«كذبتكم من النساء الخارقة، فما ثبتت منهنّ امرأة إلاّ أسماء بنت عميس».
و أخيراً رحلت رضوان الله تعالى عليها، وأحداث جسام تعاقبت عليها، كتمت آلامها، وتعالت على جراحها، حين جاءها مصرع ولدها محمد بن أبي بكر، فراحت تتلوى مما تركه نبأ استشهاده من أثر مؤلم على قلبها، فحبست دمعها، وكتمت حزنها، وعكفت في مصلاّها، حتى شخب ثديها ونزفت، ثم فجعت بمقتل زوجها أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) فلم تعد بَعْدَ مصابه قادرةً على تحمّل الألم الذي يعتصر بقية قلبها الذي انهكه المرض، حتى فاضت روحها إلى العليّ العظيم، في سنة أربعين للهجرة، رضوان الله تعالى عليها.
 
 

[1]. تاريخ الطبري 2 : 351، أحداث سنة:13 ; مقاتل الطالبيين، لأبي الفرج الإصفهاني: 35، ترجمة محمد بن جعفر.
[2]. مقاتل الطالبيين:36ـ35، ترجمة محمد بن جعفر; ابن سعد في الطبقات 8 : 94،205، 6 : 86 ; الإصابة 8 : 202 ـ 191، 18 : 78 ؛ وفي غيرها من المصادر التاريخية.
[3]. مختصر تاريخ دمشق 6 : 69 ترجمة جعفر بن أبي طالب.
[4]. السيرة النبوية، لابن هشام 3 : 4.
[5]. أنظر: تاريخ هجرتهم وعودتهم في المصادر التاريخية ، ومنها مختصر تاريخ دمشق ، ترجمة جعفر بن أبي طالب 6 : 74 ـ 62.
[6]. تاريخ الطبري 2 : 253، سنة 11 وغيره من المصادر.
[7]. المجالس السنيّة، للسيد الأمين 2 : 123 ; فاطمة الزهراء من المهد إلى اللحد: 609 من روضة الواعظين ; بحارالأنوار 78 : 256.
[8]. أنظر مثلاً تاريخ المدينة المنورة، لعمر بن شبة 1 : 108 ; والاستيعاب، لابن عبد البر.
[9]. أنظر ما رواه زكريا بن أبي زائدة، عما سمعه عن عامر.