شخصيات من الحرمين الشريفين
مشاهدات:919

أبو رافع، مولى رسول الله


تمهيد
إنّ هذا الصحابي الجليل سجل وجوداً متميزاً في مدرسة الصحبة المباركة لرسولالله(صلي الله عليه و آله) وراح يستفيد منها بجد وإخلاص وتفان, إيماناً،و جهاداً،و علماً،ومعرفة وصدقاً, حتى غدا موضع رضا عند المسلمين, يتضح هذا من خلال اتفاق مذاهبهم على أنه من الثقات الذين تسمع رواياتهم وأقوالهم وعلومهم, وهذا لايعني أنّ المشتركات معدومة بين مذاهب المسلمين, وأنّ ما ذكرناه هو المشترك الوحيد بل هناك العديد من المشتركات, وهي كثيرة مما يسهم في تثبيت أواصر العلاقة الطيبة, وبالتالي إرساء الوحدة الإسلاميّة, ودعائم التقريب بينهم.
إنّ أبا رافع كما غيره من الصحابة كجابر الأنصاري, وأبي سعيد الخدري, وأبي بن كعب... يشكلون قواسم مشتركة بين المسلمين، فهم شخصيات حظي كل واحد منهم بصحبة مباركة في مدرسة رسول الله(صلي الله عليه و آله) ورواة وثقوا من قبل مختلف الأطراف، وراح يعتمدهم علماء الرجال, والحديث, والفقهاء الأعلام من المسلمين جميعاً.
إنّ هذا الصحابي ـ أبا رافع ـ مع أنه اختلف في اسمه, أهوأسلم, وهوالأشهر, أم إبراهيم, وقيل: هرمز, أو ثابت, أو سنان, أويسار, أوقرمان, أوعبدالرحمن, أويزيد, فالأقوال في أسمائه عديدة كماوردت في كتب التاريخ والرجال, إلا أنّ كنيته <أبو رافع> يبدو أنها موضع اتفاق, وقد غلبت عليه في حياته, وفيما كتب عنه, أو فيما نقل عنه من آراء, وأقوال, وروايات, وأحاديث... علماً أنه كان من السابقين إلى الرواية, والتأليف, والتدوين, والعلم.
وقدآمن برسول الله(صلي الله عليه و آله) وأسلم في مكة المكرمة, وقد كان من الصحابة المميزين لرسول الرحمة محمد(صلي الله عليه و آله) ثم راح أبو رافع يشهد حروب النبي(صلي الله عليه و آله) كلها إلا بدراً, لأنه كما في الخبر أنه آمن وأسلم قبل معركة بدر, وكتم إسلامه مع عم النبي(صلي الله عليه و آله)العباس بن عبدالمطلب.
وفي خبر آخر أنه قدم بكتاب قريش إلى المدينة على رسول الله(صلي الله عليه و آله)وأظهر إسلامه ليقيم بها, فرده رسول الله(صلي الله عليه و آله) و قال: <إنا لا نحبس البرد ولا نخيس العهد>.[1]
فيما كان حاضراً في معركة أحد, وفي معركة الخندق, وما بعدهما من المشاهد.
قال رسول الله(صلي الله عليه و آله) فيه:
خرج رسول الله(صلي الله عليه و آله) إلى الناس فقال: يا أيها الناس من أحب أن ينظر إلى أميني على نفسي وأهلي, فهذا أبو رافع أميني على نفسي وأهلي.
وفيه قول القائل من قصيدة:
وحسبك من قوم‌ٍ كرام‌ٍ أصادق‌ٍ

 
أبو رافع القبطي منهم أسلم

وكان ممن أخبره النبي(صلي الله عليه و آله)أنه يصيبه بعده فقر, ونهاه أن يكنز فضول المال, وأعلمه عقوبة من يحوز المال ويكثره.
عن الزهري،عن سليم مولى أبي رافع، عن أبي رافع مولى النبي(صلي الله عليه و آله) قال النبي(صلي الله عليه و آله): كيف بك يا أبا رافع! إذا افتقرت؟
قلت: أفلا أتقدم في ذلك؟
قال: بلى ما مالك؟
قلت: أربعون ألفاً وهي لله عزّوجل.
قال: لا, أعط بعضاً وأمسك بعضاً, وأصلح إلى ولدك.
قال: قلت: أولهم علينا يا رسول الله حق كما لنا عليهم؟ قال: نعم, حق الولد على الوالد أن يعلّمه الكتاب.
وقال عثمان بن عبدالرحمن: كتاب الله عزّوجل, والرمي, والسباحة, زاد يزيد: وأن يورثه طيباً.
قال: ومتى يكون فقري؟
قال: بعدي.
قال أبوسليم: فلقد رأيته افتقر بعده، حتى كان يقعد فيقعد فيقول: من يتصدق على الشيخ الكبير الأعمى, من يتصدق على رجل أعلمه رسول الله(صلي الله عليه و آله) أنه سيفتقر بعده،من يتصدق فإنّ يد الله هي العليا،ويد المعطي الوسطى،ويد السائل السفلى؟ ومن سأل عن ظهر غنى كان له شية يعرف بها يوم القيامة،ولا تحل الصدقة لغني،ولا لذي مرة سوى.
قال: فلقد رأيت رجلاً أعطاه أربعة دراهم،فرد منها درهماً،فقال: يا عبدالله لا ترد على صدقتي.
فقال: إنّ رسول الله(صلي الله عليه و آله) نهاني أن أكنز فضول المال.
قال أبو سليم: فلقد رأيته بعد استغنى،حتى أتى له عاشر عشرة؛ وكان يقول: ليت أبارافع مات في فقره ـ أو وهو فقير ـ قال: ولم يكن يكاتب مملوكه إلا بثمنه الذي اشتراه به.[2]
حبه وولاؤه للإمام علي(عليه السلام)
لقد كان أبو رافع من الرواد الاوائل الذين وقفوا إلى جانب الإمام أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) وهو ثابت العقيدة، ولم يفارقه،وظلّ من الذين لم يغيروا،ولم يبدلوا موقفهم القوي الواعي من إمامة علي(عليه السلام)،وحقه المشروع في إمامة الأمة على الأصعدة كافة.
 وما أن بويع الإمام علي(عليه السلام)بالخلافة سنة 35 هجرية، وخرج من المدينة المنورة إلى العراق،توجه معه أبو رافع،وكان ملازماً إياه ملازمة الظل لصاحبه،وشهد مع الإمام(عليه السلام) أيضاً جميع مواقفه وحروبه،وعدّ من أبرار الشيعة وصالحيهم،وكان عمره يوم توجه إلى العراق خمساً وثمانين سنة؛ وعينه الإمام كاتباً له بالكوفة،كما كان صاحب بيت مال المسلمين بالكوفة والمسؤول عنه.
وكان ولداه علي وعبيد الله من أصفياء علي(عليه السلام) وكانا كاتبين أيضاً عنده.
وبعد استشهاد الإمام أميرالمؤمنين(عليه السلام)ذهب أبورافع مع الإمام الحسن(عليه السلام) إلى المدينة،ووضع الإمام الحسن المجتبى(عليه السلام)نصف بيت أبيه تحت تصرفه.
حقاً لقد كان أحد الصحابة الأبرار لرسول الله(صلي الله عليه و آله)ومن مواليه المخلصين،وكان أيضاً من الوجوه البارزة في دائرة التابعين للإمام أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) فحظي من خلال ذلك بهاتين الصحبتين،مماجعله ذا منزلة كبيرة ومكانة عالية،وذكرطيّب واستقامة يمدح عليها الرجل.
 لقد كان أبورافع قبطياً من مصر وكان في سني حياته الأولى غلاماً للعباس، عمّ النبي(صلي الله عليه و آله).
 وقيل وكما في تاريخ الطبري عند ذكره موالي رسول الله(صلي الله عليه و آله)ويسميه رويفع،وهو أبورافع مولى رسول الله(صلي الله عليه و آله) اسمه أسلم،وقال بعضهم: اسمه إبراهيم،واختلفوا في أمره،فقال بعضهم: كان للعباس بن عبدالمطلب،فوهبه لرسول الله(صلي الله عليه و آله) فأعتقه رسول الله(صلي الله عليه و آله).
وقال بعضهم: كان أبورافع لأبي أحيحة سعيد بن العاص الأكبر،فورثه بنوه،فأعتق ثلاثة منهم أنصباءهم منه،وقتلوا يوم بدر جميعاً، وشهد أبورافع معهم بدراً،و وهب خالد بن سعيد نصيبه منه لرسول الله(صلي الله عليه و آله) فأعتقه رسول الله(صلي الله عليه و آله).
والمشهور أنّ العباس هو الذي وهبه للنبي(صلي الله عليه و آله)ولمّا أسلم العباس،وبلغ أبورافع رسول الله(صلي الله عليه و آله) وبشره بإسلام عمه العباس،أعتقه،وكان إسلام أبي رافع بمكة مع إسلام أم‌الفضل،فكتموا إسلامهم فترة،وكان على ثقل النبي(صلي الله عليه و آله) أي على متاعه،والثقل هو متاع المسافر كما في لسان العرب.
وزوجه مولاته سلمى،وشهدت سلمى خيبر،وولدت له عبيد الله بن أبي رافع.
وفي تاريخ الطبري: له ابنان وهما من موالي رسول الله(صلي الله عليه و آله) وابنه البهي ـ اسمه رافع،و أخو البهي عبيدة الله بن أبي رافع ـ وكان يكتب لعلي بن أبي طالب(عليه السلام) فلما ولي عمرو بن سعيد المدينة دعا البهي،فقال: من مولاك؟فقال: رسول الله(صلي الله عليه و آله) فضربه مأة سوط،وقال: مولى من أنت؟ قال: مولى رسول الله(صلي الله عليه و آله) فضربه مأة سوط،فلم يزل يفعل به ذلك كلما سأله: مولى من أنت؟ قال: مولى رسول الله(صلي الله عليه و آله) حتى ضربه خمسمأة سوط،ثم قال: مولى من أنت؟ قال: مولاكم؛فلما قتل عبد الملك عمرو بن سعيد،قال البهي بن أبي رافع:
صحت ولا شلت وضرت عدوها

 
يمين هراقت مهجة ابن سعيد

هوابن أبيالعاص مراراً وينتمي

 
إلى أسرة طابت له و جدود.[3]

وقد يكون له أولاد آخرون،كما عليه بعض المصادر في ذكر من روى عن أبي رافع.
هاجر الهجرتين
الأولى: مع جعفر بن أبي طالب إلى الحبشة،كما ذكر ذلك بعض علماء الرجال،إلا أني لم أجد فيما لدي من مصادر،كالسيرة النبوية لابن هشام،الذي ذكر أسماء المهاجرين إلى الحبشة،وكذا تاريخ الطبري.
والهجرة الثانية له: مع رسول الله(صلي الله عليه و آله)إلى يثرب،المدينة المنورة فيما بعد.
وضحكالنبي(صلي الله عليه و آله و سلم)
ونحن نذكر سلمى،نشير إلى لطيفة أضحكت النبي(صلي الله عليه و آله) كما جاء في رواية في صحيح مسلم: فعن عائشة قالت: أتت سلمة امرأة أبي رافع مولى رسول الله(صلي الله عليه و آله) إلي رسول الله(صلي الله عليه و آله) تستأذنه على أبي رافع قد ضربها،قالت: قال رسول الله(صلي الله عليه و آله) لأبي رافع: مالك و لها يا أبا رافع؟ قال: تؤذيني يا رسول الله!
 فقال رسول الله(صلي الله عليه و آله):
لم آذيته يا سلمى؟
 قالت: يا رسول الله ما آذيته بشيء، ولكنه أحدث وهو يصلي،فقلت له: يا أبا رافع إنّ رسول الله(صلي الله عليه و آله) قد أمر المسلمين إذا أخرج من أحدهم الريح أن يتوضأ،فقام فضربني،فجعل رسول الله(صلي الله عليه و آله) يضحك ويقول: «يا أبا رافع إنها لم تأمرك إلاّ بخير».{C}[4]
نعم،قد يظن بعض الناس بمن يأمرهم بالخير،أنه شر يستوجب ردة فعل منهم.
معاناته
ومما ورد عن معاناته ونقلته كتب التاريخ وعلماء الرجال ما حدث له،ونحن نكتفي باللفظ الذي نقلته سيرة ابن هشام،عن ابن إسحاق:
وحدثني حسين بن عبدالله بن عبيدالله بن عباس،عن عكرمة مولى ابن عباس،قال: قال أبورافع،مولى رسول الله(صلي الله عليه و آله): كنت غلاماً للعباس بن عبدالمطلب،وكان الإسلام قد دخلنا أهل البيت،فأسلم العباس وأسلمت أم الفضل،و أسلمت و كان العباس يهاب قومه و يكره خلافهم و كان يكتم إسلامه،و كان ذا مال كثير متفرق في قومه،وكان أبولهب قد تخلف عن بدر،فبعث مكانه العاصي بن هشام بن المغيرة،وكذلك كانوا صنعوا،لم يتخلف رجل إلا بعث مكانه رجلاً،فلما جاءه الخبر عن مصاب أصحاب بدر من قريش،كبته الله وأخزاه،و وجدنا في أنفسنا قوة وعزاً.
قال: و كنت رجلاً ضعيفاً،و كنت أعمل الأقداح،أنحتها في حجرة زمزم،فوالله إني لجالس فيها أنحت أقداحي،و عندي أم الفضل جالسة،و قد سرنا ما جاءنا من الخبر،إذ أقبل أبولهب يجر رجليه بشرٍّ حتى جلس على طنب الحجرة،فكان ظهره إلى ظهري،فبينما هو جالس إذ قال الناس هذا أبوسفيان ابن الحارث بن عبد المطلب ـ قال ابن هشام: واسم أبي سفيان المغيرة ـ قد قدم،قال: فقال أبولهب: هلم إلي فعندك لعمري الخبر،قال: فجلس إليه والناس قيام عليه،فقال: يا ابن أخي! أخبرني كيف كان أمر الناس؟ قال: والله ما هو إلاّ أن لقينا القوم،فمنحناهم أكتافنا يقودوننا كيف شاءوا،ويأسروننا كيف شاءوا،وأيم الله مع ذلك ما لمت الناس،لقينا رجالاً بيضاً،على خيل بلق بين السماء والأرض،والله ما تليق شيئاً،ولا يقوم لها شيء.
قال أبورافع: فرفعت طنب الحجرة بيدي،ثم قلت: تلك والله الملائكة،قال: فرفع أبولهب يده فضرب بها وجهي ضربة شديدة؛ قال: و شاورته فاحتملني،فضرب بي الأرض،ثم برك علي يضربني،وكنت رجلاً ضعيفاً،فقامت أمّ الفضل إلى عمود من عمد الحجرة،فأخذته فضربته به ضربة فعلت في رأسه شجة منكرة،وقالت: استضعفته أن غاب عنه سيده،فقام مولياً ذليلاً،فوالله ما عاش إلاّ سبع ليال،حتى رماه الله بالعدسة فقتلته.[5]
أبو رافع وعلماء الرجال
أثنى عليه كثيراً علماء الرجال،و مدحوه،و ذكروا سيرته،وسيرة أبنائه،وما نقل عنه من أقوال رائعة،تدل على ولائه لرسول الله(صلي الله عليه و آله) و لأهل البيت(عليهم السلام) وأنّ أبارافع بايع البيعتين،وصلى القبلتين،و هاجر ثلاث هجرات،و ما قاله رسولالله(صلي الله عليه و آله)عنه.
وهنا أنا أكتفي بما ذكره السيد الخوئي؛ وهو يترجم لأبي رافع رضوان الله تعالى عليه،وينقل أقوال بعض علماء الرجال،فهذا النجاشي العالم الرجالي بعد أن عدّه من السلف الصالح قال:... أبورافع مولى رسول الله(صلي الله عليه و آله) واسمه أسلم،كان للعباس بن عبدالمطلب، رحمه الله،فوهبه للنبي(صلي الله عليه و آله)فلما بشر النبي بإسلام العباس أعتقه.
أخبرنا أبوالحسن أحمد بن محمد الجندي،قال:حدثنا أحمد بن معروف،قال:حدثنا الحرث الوراق والحسين (الحسن)بن فهم، عن محمد بن سعد كاتب الواقدي، قال أبورافع: ألحمد لله الذي أكمل لعلي منيته،و هنيئاً لعلي بتفضيل الله إياه،ثم التفت.. و ذكر هذا الحديث.
وأخبرنا محمد بن جعفر الأديب،قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن سعيد في تاريخه،أنه يقال: إنّ اسم أبي رافع إبراهيم،وأسلم أبو رافع قديماً بمكة،وهاجر إلى المدينة،وشهد مع النبي(صلي الله عليه و آله) مشاهده، ولزم أميرالمؤمنين(عليه السلام) من بعده،وكان من خيار الشيعة،وشهد معه حروبه،وكان صاحب بيت ماله بالكوفة،وابناه عبدالله وعلي،كاتبا أميرالمؤمنين(عليه السلام).
أخبرنا محمد بن جعفر،قال: حدثنا أحمد بن محمد بن سعيد،قال: حدثنا أبوالحسين أحمد بن يوسف الجعفي،قال: حدثنا علي بن الحسين (الحسن) بن الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب(عليهم السلام) قال: حدثنا إسماعيل بن محمد بن عبدالله بن علي بن الحسين،قال: حدثنا إسماعيل بن الحكم الرافعي،عن عبدالله بن عبيدالله بن أبي رافع، عن أبيه عن أبي رافع،قال: دخلت على رسول الله(صلي الله عليه و آله) وهو نائم أو يوحى اليه، وإذا حية في جانب البيت، فكرهت أن أقتلها فأوقظه،فاضطجعت بينه وبين الحية،حتى إذا كان منها سوء يكون إلي دونه،فاستيقظ وهو يتلو هذه الآية:
(إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ).
ثم فرآني إلى جانبه، فقال: ما أضجعك هاهنا يا أبا رافع؟ فأخبرته خبر الحية.
 فقال: قم إليها فاقتلها،فقتلتها،ثم أخذ رسول الله(صلي الله عليه و آله) بيدي،فقال:يا أبا رافع كيف أنت وقوماً (قوم) يقاتلون علياً، هو على الحق، و هم على الباطل، يكون في حق الله جهادهم، فمن لميستطع جهادهم فبقلبه،فمن لم يستطع فليس وراء ذلك شيء، فقلت: أدع لي إن أدركتهم أن يعينني الله، ويقويني على قتالهم، فقال: أللهم إن أدركهم فقوّه، وأعنه؛ثم خرج إلى الناس، فقال: يا أيها الناس من أحب أن ينظر إلى أميني على نفسي وأهلي،فهذا أبورافع أميني على نفسي.
قال عون بن عبد (عبيد)الله بن أبي رافع:فلما بويع علي، وخالفه معاوية بالشام، وسار طلحة والزبير إلى البصرة، قال أبورافع: هذا قول رسول الله(صلي الله عليه و آله) سيقاتل علياً قوم يكون حقاً في الله جهادهم، فباع أرضه بخيبر وداره، ثم خرج مع علي(عليه السلام) وهو شيخ كبير له خمس وثمانون سنة، وقال: الحمد لله لقد أصبحت لا أجد بمنزلتي،لقد بايعت البيعتين: بيعة العقبة، وبيعة الرضوان، وصلّيت القبلتين،وهاجرت الهجر الثلاث.
قلت: وما الهجر الثلاث؟ قال: هاجرت مع جعفر بن أبي طالب رحمه الله إلى أرض الحبشة،وهاجرت مع رسول الله(صلي الله عليه و آله) إلى المدينة، وهذه الهجرة مع علي بن أبي طالب(عليه السلام) إلى الكوفة، فلم يزل مع علي حتى استشهد علي(عليه السلام).
فرجع أبورافع إلى المدينة مع الحسن(عليه السلام)ولا دار له بها ولا أرض، فقسم له الحسن(عليه السلام)دار علي(عليه السلام) بنصفين، وأعطاه سنح أرض أقطعه إياها، فباعها عبيدالله بن أبي رافع،من معاوية بمأة ألف وسبعين ألفاً.
وبهذا الإسناد عن عبيدالله بن أبي رافع في حديث أم كلثوم بنتأميرالمؤمنين(عليه السلام) إنها استعارت من أبي رافع حلياً من بيت المال بالكوفة.
ولأبي رافع كتاب السنن والأحكام والقضايا؛ أخبرنا محمد بن جعفر النحوي،قال: حدثنا أحمد بن محمد بن سعيد، قال: حدثنا حفص بن محمد بن سعيد الأحمسي، قال: حدثنا الحسن بن الحسين الأنصاري، قال: حدثنا علي بن القاسم الكندي، عن محمد بن عبيدالله بن أبيرافع، عن أبيه عن جده أبي رافع، عن علي بن أبي طالب(عليه السلام) إنه كان إذا صلى قال في أول الصلاة:... وذكر الكتاب إلى آخره باباً باباً، الصلاة، والصيام، والحج، والزكاة، والقضايا.
وروى هذه النسخة من الكوفيين أيضاً، زيد بن محمد بن جعفر بن المبارك،يعرف بابن أبي إلياس، عن الحسين بن حكم الحبري، قال: حدثنا حسن بن حسين بإسناده، وذكر شيوخنا أنّ بين النسختين اختلافاً قليلاً، ورواية أبي العباس أتم.
ولابن أبي رافع كتاب آخر،وهو علي بن أبي رافع تابعي من خيار الشيعة، كانت له صحبة من أميرالمؤمنين(عليه السلام) وكان كاتباً له، وحفظ كثيراً، وجمع كتاباً في فنون من الفقه: الوضوء، والصلاة،وسائر الأبواب.
أخبرني أبوالحسن التميمي،قال: حدثنا أحمد بن محمد بن سعيد، قال: حدثنا علي بن القاسم البجلي قراءة عليه، قال: حدثني أبوالحسن علي بن إبراهيم بن المعلى البزاز، قال: حدثنا عمر بن محمد بن عمر بن علي بن الحسين، قال: حدثني أبو محمد عبدالرحمن بن محمد بن عبيدالله بن أبي رافع، وكان كاتب أميرالمؤمنين(عليه السلام) أنه كان يقول: إذا توضأ أحدكم للصلاة فليبدأ باليمين قبل الشمال من جسده، وذكر الكتاب.
قال عمر بن محمد: وأخبرني موسى بن عبدالله بن الحسن، عن أبيه، أنه كتب هذا الكتاب عن عبيدالله (عبدالله) بن علي بن أبي رافع، وكان يعظمونه ويعلمونه.
قال أبو العباس بن سعيد: حدثنا عبدالله بن أحمد بن مستورد، قال: حدثنا مخول بن إبراهيم النهدي، قال: سمعت موسى بن عبدالله بن الحسن، يقول: سأل أبي رجل عن التشهد، فقال: هات كتاب ابن أبي رافع، فأخرجه فأملاه علينا، وقد طرق عمر بن محمد هذا الكتاب إلى أميرالمؤمنين(عليه السلام).
أخبرنا أبوالحسن التميمي،قال: حدثنا أحمد بن محمد بن سعيد، قال: حدثنا الحسن بنالقاسم، قال: حدثنا معلى، عن عمر بن محمد بن عمر، قال: حدثنا علي بن عبيدالله بن محمد بن عمر بن علي، قال: حدثني أبي، عن أبيه محمد، عن جده عمر بن علي بن أبي طالب عن أميرالمؤمنين(عليه السلام)؛ وذكر أبواب الكتاب.
قال ابن سعيد: حدثنا الحسن، عن معلى، عن أبي زكريا يحيى بن السالم (سالم)،عن أبي مريم، عن أبي إسحاق، عن الحرث، عن علي أميرالمؤمنين من ابتداء باب الصلاة في الكتاب، و ذكر خلافاً بين النسختين.
وقال العلامة: ثقة، شهد مع رسول الله(صلي الله عليه و آله) ولزم أميرالمؤمنين بعده،وكان من خيار الشيعة.
وعده الشيخ في رجاله في أصحاب رسول الله(صلي الله عليه و آله).[6]
آثاره العلميةومروياته
تميز هذا الصحابي الجليل بعلميته وفضله، فقد حقق أسلم أبو إبراهيم القبطي مكاناً رائداً، وموقعاً علمياً كبيراً، واحتراماً واسعاً، حتى عدّ من خيار أصحاب رسول الله(صلي الله عليه و آله)على مستوى العلم، فهو من أول من ألف كتاباً في الفقه الإسلامي، وهو كتاب كبير عنوانه:السُّنن والقضايا والأحكام، يشتمل علي الفقه، في أبوابه المختلفة، رواه جمع من المحدّثين الكبار،وفيهم ولده.
وله كتب اُخري،منها: كتاب أقضية أميرالمؤمنين(عليه السلام) وكتاب الديات، وغيرهما، ويعتقد بعض العلماء أنها قاطبة أبواب ذلك الكتاب الكبير، وفصوله،وهو أول من جمع الحديث النبوي الشريف.
 وعن عبيد الله بن علي، عن جدته سلمى، قالت: رأيت عبد الله بن عباس معه ألواح يكتب عليها عن أبي رافع شيئاً من فعل رسول الله(صلي الله عليه و آله).
حقاً،إنّ صحابياً يكتب عنه حبر الأمة ابن عباس شيئاً من فعل رسول الله(عليه السلام) ولاسيما أنّ معه ألواحاً، قد أعدها للكتابة عنه، لهو رجل ذو نصيب وافر من المعرفة، والعلم،والفقه،والصدق،والأمانة.
ولقد روى أبورافع عن رسول الله(عليه السلام)وعلي(عليه السلام) وعبدالله بن مسعود، وروي عنه أولاده الحسن،ورافع،عبيد الله،والمعتمر،ويقال: المغيرة،وسلمى،وأحفاده،كالفضل بن عبيدالله،والحسن،وصالح،وعبيدالله،كما روى عنه علي بن الحسين(عليه السلام) وسليمان بن يسار،وعمر بن الشديد الثقفي،وأبو غطفان بن ظريف المري،وشرحبيل بن سعد،وأبوسعيد المقبري،وجماعة كثيرة،وروى عنه علي بن الحسين(عليه السلام) وكأنه شافهه.
و منمروياته
كان أبورافع ممن حظي بمقام كريم في عالم الرواية،وقد أخذ عنه العديد من الروايات،وكان منها:
 1ـ حديث المنزلة،وهو قول النبي(صلي الله عليه و آله) لعلي(عليه السلام): «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى».
2ـ حديث الغدير،وهو قول رسول الله(صلي الله عليه و آله): «ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟».
قالوا: بلى.
قال(صلي الله عليه و آله): «ألستم تعلمون أني أولى بكل مؤمن من نفسه؟».
قالوا: بلى.
فأخذ بيد علي(عليه السلام) فقال: «من كنت مولاه فعليّ مولاه، أللهم وال‌ِ من والاه و عادِ من عاداه»؛ وله ألفاظ أخرى،لكنها متقاربة.
أبورافع القبطي مولى رسول الله(صلي الله عليه و آله) روى حديثه ابن عقدة في حديث الولاية،وأبوبكر الجعابي في نخبه،وعدّه الخوارزمي في مقتله ممن روى حديث الغدير من الصحابة.[7]
وعده الجزري الشافعي من رواة هذا الحديث.[8]
3ـ حديث الثقلين؛ عدّ أبورافع من رواة هذه الأحاديث،وهي تحدد للأمة طريق نجاتها،ونجاحها،وفوزها،وسلامة طريقها إلى الله تعالى ورسوله(صلي الله عليه و آله) وقد روى هذه الأحاديث العديد من الرواة،ونحن هنا نقتصر على رواية أبي رافع،وحديث الثقلين.
فعنه رضوان الله عليه،إنّ رسول الله(صلي الله عليه و آله) قال: أيها الناس! إني تركت فيكم الثقلين:الثقل الأكبر،والثقل الأصغر،فأما الأكبر،هو حبل فبيد الله طرفه،والطرف الآخر بأيديكم،وهو كتاب الله،إن تمسكتم به لن تضلوا،ولن تذلوا أبداً، وأما الأصغر،فعترتي أهل بيتي،إنّ الله اللطيف الخبير أخبرني أنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض،وسألت ذلك لهما فأعطاني،والله سائلكم كيف خلفتموني في كتاب الله وأهل بيتي.
وفي رواية أخرى عن أبي رافع مولى رسول الله(صلي الله عليه و آله)قال: لما نزل رسول الله(صلي الله عليه و آله) غدير خم، مصدره عن حجة الوداع، قام خطيباً بالناس بالهاجرة،فقال: أيها الناس إني تركت فيكم الثقلين:الثقل الأكبر،والثقل الأصغر، فأما الثقل الأكبر فبيد الله طرفه، والطرف الآخر بأيديكم،وهو كتاب الله إن تمسكتم به لن تضلوا أبداً، وأما الثقل الأصغر فعترتي أهل بيتي، إنّ الله هو الخبير أخبرني أنهما لن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض. (أخرجه ابن عقدة).
قال أبورافع مولى رسول الله(صلي الله عليه و آله): خرجنا مع علي(عليه السلام) حين بعثه رسول الله(صلي الله عليه و آله) برايته إلى خيبر،فلما دنا من الحصن خرج إليه أهله،فقاتلهم فضربه يهودي فطرح ترسه من يده فتناول علي باباً كان عند الحصن فتترَّس به عن نفسه، فلم يزل في يده، و هو يقاتل حتى فتح الله على يديه، ثم ألقاه من يده؛ فلقد رأيتني في نفر سبعة أنا ثامنهم نجهد على أن نقلب ذلك الباب فما نقلبه؛وكان فتحها في صفر.[9]
ومن رواياته الأخرى: أنّ رسول الله(صلي الله عليه و آله) بعث رجلاً من بني مخزوم على صدقة،فقال لأبي رافع: اصحبني كيما تصيب منها،فقال: لا حتى آتي رسول الله(صلي الله عليه و آله) فأسأله،فانطلق إلى النبي(صلي الله عليه و آله) فسأله،فقال: الصدقة لا تحل لنا،وإنّ مولى القوم من أنفسهم.
قدم النبي(صلي الله عليه و آله) خيبر،فأصاب الناس برد شديد،فقال النبي(صلي الله عليه و آله): من كان له لحاف فليلحف من لا لحاف له؛فطلبت من يلحفني فلم أجد أحداً،فأتيت النبي(صلي الله عليه و آله) فأخبرته،فألقى علي من لحافه،فبتنا حتى أصبحنا،فوجد النبي(صلي الله عليه و آله) عند رجليه على فراشه حية، قد تطوقت،فرماها النبي(صلي الله عليه و آله) برجله،و قال: يا أبارافع،أقتلها،أقتلها.
وعن السرية التي أمر بإرسالها رسولالله(صلي الله عليه و آله)إلى اليمن،وكانت بإمرة الإمامعلي(عليه السلام) يقول أبورافع: لما وجهه رسول الله(صلي الله عليه و آله) قال: إمض و لا تلتفت! فقال علي(عليه السلام): يا رسول الله! كيف أصنع؟ قال(صلي الله عليه و آله): «إذا نزلت بساحتهم فلا تقاتلهم حتى يقاتلوك،فإن قاتلوك فلاتقاتلوهم حتى يقتلوا منكم قتيلاً،فإن قتلوا منكم قتيلاً فلا تقاتلوهم،تلومهم حتي تراهم أناة؛ثم تقول لهم: هل إلى أن تقولوا لا إله إلا الله؟ فإن قالوا: نعم،فقل: هل لكم أن تصلوا؟ فإن قالوا: نعم،فقل: هل لكم أن تخرجوا من أموالكم صدقة تردونها على فقرائكم؟ فإن قالوا: نعم،فلا تبغ منهم غير ذلك؛ و الله لئن يهدي الله على يدك رجلاً واحداً،خير لك مما طلعت عليه الشمس،أو غربت.[10]
وعن بيع عقيل بن أبي طالب لمنزل رسول الله(صلي الله عليه و آله)في مكة،يقول أبورافع: قيل للنبي(صلي الله عليه و آله): ألا تنزل منزلك من الشعب؟
 قال: فهل ترك لنا عقيل منزلاً؟
وكان عقيل قد باع منزل رسولالله(صلي الله عليه و آله) ومنزل إخوته من الرجال والنساء بمكة،فقيل لرسولالله(صلي الله عليه و آله) فأنزل في بعض بيوت مكة في غير منازلك،فأبى رسول الله(صلي الله عليه و آله) قال: لاأدخل البيوت،فلم يزل مضطرباً بالحجون،لم يدخل بيتاً،وكان يأتي إلى المسجد من الحجون.[11]
وفي رجال النجاشي عن أبي‏رافع: دخلت على رسول‏الله(صلي الله عليه و آله)و هو نائم،أو يوحى إليه، و إذا حية في جانب البيت، فكرهت أن أقتلها فأوقظه،فاضطجعت بينه و بين الحية،حتى إن كان منها سوء يكون إليّ دونه،فاستيقظ و هو يتلو هذه الآية:
)إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ(.[12]
 ثمّ قال(صلي الله عليه و آله): «ألحمد لله الذي أكمل لعلي مُنيته، و هنيئاً لعلي بتفضيل الله إيَّاه»؛ثمّ التفت،فرآني إلى جانبه، فقال(صلي الله عليه و آله): ما أضجَعَكَ هَاهُنا يا أبا رافع؟
فأخبرته خبر الحيّة،فقال(صلي الله عليه و آله): قم إليها فاقتلها،فقتلتها،ثم أخذ رسول‏الله(صلي الله عليه و آله) (بيدي فقال:) يا أبا رافع، كيف أنت وقوم يقاتلون عليّاً،هو على الحق،وهم على الباطل، يكون في حقِّ الله جهادهم، فمن لم يستطِع جهادهم فبقلبه، فمن لم يستطع فليس وراء ذلك شي‏ء؟ فقلت: اُدعُ لي إن أدركتهم أن يُعينني الله،ويُقوِّيني على قتالهم؛فقال(صلي الله عليه و آله): «أللَّهُم إن أدركهم فقوِّه وأعِنْه»؛ثمَّ خرج إلى الناس، فقال(صلي الله عليه و آله): «يَا أيُّها الناس، مَن أحبَّ أن ينظر إلى أميني على نَفسي وأهلي، فهذا أبورافع أميني على نفسي».
أمّ الفضل و أبيلهب
وكانت لأم الفضل وقعة شهيرة يوم بدر،يرويها أبورافع مولى رسولالله(صلي الله عليه و آله)يقول: كنت غلاماً للعباس بن عبدالمطلب،وكان الإسلام قد دخلنا أهل البيت وأسلمت أم الفضل وأسلمت،وكان أبولهب ـ عدو الله ـقد تخلف عن بدر،فلما جاء الخبر عن مصاب أصحاب بدر من قريش،أذله الله وأخزاه،ووجدنا في أنفسنا قوة وعزاً.
وكنت رجلاً ضعيفاً أعمل القداح،أنحتها في حجرة زمزم،وعندي أم الفضل جالسة،وقد سرنا ما جاء من أنباء نصر الله للمسلمين،فجاء أبولهب ولم يصدق أنباء النصر،وجاء أبوسفيان بن الحارث بن عبدالمطلب،فقال أبولهب: إليّ يا بن أخي ما خبر الناس؟
فقال: ما هو إلا لقينا رجال،حتى منحناهم أكتافنا،ولقينا رجال على خيل بلق بين السماء والأرض.
فقلت: تلك الملائكة فلطمني أبولهب لطمة شديدة،وطفق يضربني،فقامت أم الفضل إلى عمود من عمد الحجرة،فأخذته فضربته به ضربة فشجت رأسه شجة منكرة،وقالت: تستضعفه أن غاب عنه سيده،فقام مولياً ذليلاً، فوالله ما عاش إلاّ سبع ليال،حتى رماه الله بالعدسة فقتله.
أبولهب يموت كمداً!
وفي حديث أبي رافع مولى العباس بن عبدالمطلب،لما جاء الخبر عن مصاب أصحاب بدر،كبت الله أبا لهب و أخزاه،فقام يجرّ رجليه بشرٍّ حتى جلس،فبينما هو جالس،إذ قال الناس: هذا أبوسفيان بن الحارث بن عبد المطلب،قد قدم.
قال: فقال أبولهب: هلم إليَّ فعندك لعمري الخبر،قال: فجلس إليه والناس قيام،فقال: يا ابن أخي،أخبرني كيف كان أمر الناس؟
قال: والله ما هو إلا أن لقينا القوم فمنحناهم أكتافنا،يقتلوننا كيف شاءوا،ويأسروننا كيف شاءوا،وأيم الله مع ذلك ما لمت الناس،لقينا رجالاً بيضًا ـ يلبسون البياض ـ على خيل بلق بين السماء والأرض،لايقوم لها شيء،قال أبورافع: ـ و كان الإسلام دخلنا و سرنا ذلك ـ تلك والله الملائكة،فرفع أبولهب يده فضربني في وجهي ضربة شديدة،فقامت أم الفضل ـ زوج العباس ـ إلى عمود،فضربت به في رأس أبي لهب فشجته،وقالت: أستضعفته أن غاب سيده؟! فوالله ما عاش إلا سبع ليال،حتى رماه الله بالعدسة ـ و هي قرحة تتشاءم منها العرب ـ .
أخبرنا أبوالفرج يحيى بن محمود بن سعد الأصفهاني الثقفي إجازة، بإسناده عن أبي بكر أحمد بن عمرو بن أبي عاصم الضحاك بن مخلد،حدثنا هدبة،حدثنا حماد بن سلمة،عن عبدالرحمن بن أبي رافع،عن عمته سلمى،عن أبي رافع،أنّ رسول الله(صلي الله عليه و آله)طاف على نسائه جمع،فاغتسل عند كل واحدة منهنّ غسلاً،فقلت‏:‏يا رسول الله(صلي الله عليه و آله)لو جعلته غسلاً واحداً،قال‏:‏هذا أزكي وأطيب.‏
قال بكير بن الأشج: أخبرت أنه كان قبطياً؛شعبة،عن الحكم،عن ابن أبي رافع،عن أبيه: أنّ النبي(صلي الله عليه و آله)بعث رجلاً على الصدقة،فقال لأبي رافع: انطلق معي فنصيب منها،قلت: حتى أستأذن رسول الله(صلي الله عليه و آله)فاستأذنته،فقال: يا أبا رافع، إنّ مولى القوم من أنفسهم،وإنا لا تحل لنا الصدقة.
قال سليمان بن يسار: قال أبورافع: لم يأمرني رسول الله(صلي الله عليه و آله)أن أنزل الأبْطَحَ حين خرج من منى، ولكني جئت فنزلت، فجاء فنزل.
الذراع
قال الحافظ أبو يعلى:ثنا أبو بكر بن أبي شيبة،ثنا زيد بن الحباب،حدثني قائد مولى عبيدالله بن أبي رافع قال: أتيت رسول الله(صلي الله عليه و آله)يوم الخندق بشاة في مكتل،فقال: يا أبا رافع ناولني الذراع فناولته،ثم قال: يا أبا رافع! ناولني الذراع فناولته، ثم قال: يا أبا رافع! ناولني الذراع، فقلت:يا رسول الله ألشاة إلا ذراعان؟ فقال: لو سكت ساعة ناولتنيه ما سألتك فيه انقطاع من هذا الوجه.
وقال أبو يعلى أيضاً: ثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، ثنا فضيل بن سليمان، ثنا قايد مولى عبيدالله، حدثني عبيدالله، أنّ جدته سلمى أخبرته أنّ النبي(صلي الله عليه و آله)بعث إلى أبي رافع بشاة، وذلك يوم الخندق فيما أعلم،فصلاها أبو رافع ليس معها خبز ثم انطلق بها، فلقيه النبي(صلي الله عليه و آله)راجعاً من الخندق،فقال: يا أبا رافع! ضع الذي معك فوضعه، ثم قال: يا أبا رافع! ناولني الذراع فناولته، ثم قال: يا أبا رافع! ناولني الذراع فناولته، ثم قال: يا أبا رافع! ناولني الذراع، فقلت: يا رسول الله! هل للشاة غير ذراعين، فقال: لو سكت لناولتني ما سألتك.
وقد روي من طريق أبي هريرة،قال الإمام أحمد: ثنا الضحاك، ثنا ابن عجلان عن أبيه، عن أبي هريرة أن شاة طبخت، فقال رسول الله(صلي الله عليه و آله):«أعطني الذراع فناولته إياه، فقال: أعطني الذراع فناولته إياه، ثم قال: أعطني الذراع فناولته إياه، ثم قال: أعطني الذراع، فقال: يا رسول الله! إنما للشاة ذراعان قال: أما إنك لو التمستها لوجدتها».[13]
أبو عبيدة، عن جابر، عن ابن عباس، عن أبي رافع مولى رسول الله(صلي الله عليه و آله)[قال]:استسلف رسول الله(صلي الله عليه و آله)بكراً فجاءته إبل الصدقة، فأمرني أن أقضي الرجل بكره،فقلت:لم أجد في الإبل إلا جملاً رباعياً خياراً، فقال:اقضه.
أنت أول من
وقال أبو رافع:«أتيت أبا ذر بالربذة أودعه،فلما أردت الانصراف قال لي ولأناس معي:ستكون فتنة،فاتقوا الله،وعليكم بالشيخ علي بن أبي طالب فاتبعوه،فإني سمعت رسول الله(صلي الله عليه و آله)يقول له:أنت أول من آمن بي،وأول من يصافحني يوم القيامة،وأنت الصديق الأكبر،وأنت الفاروق الذي يفرق بين الحق والباطل،وأنت يعسوب المؤمنين،والمال يعسوب الكافرين،وأنت أخي ووزيري،وخير من أترك بعدي،تقضي ديني،وتنجز موعدي».
وهو المناسب لأحاديث أخر،مثل ما عن ابن عباس،قال:لما نزلت:
)إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ(
 وضع(صلي الله عليه و آله)يده على صدره فقال:«أنا المنذر،ولكل قوم هاد،وأومأ بيده إلى منكب علي(عليه السلام)فقال: أنت الهادي يا علي،بك يهتدي المهتدون بعدي»،وغيره.
عن خيبر
وعن أبي رافع  كما أخرج ابن إسحاق في المغازي وابن عساكر: أنّ علياً(عليه السلام)تناول باباً عن الحصن ـ حصن خيبر ـ فتترس به عن نفسه،فلم يزل في يده وهو يقاتل،حتى فتح الله علينا،ثم ألقاه،فلقد رأيتنا ثمانية نفر نجهد أن نقلب ذلك الباب،فما استطعنا أن نقلبه.
وعن المقريزي: أنّ ابن إسحاق أخرج في سيرته،وابن عساكر في تاريخه،عن أبي رافع مولى سيدنا رسول الله(صلي الله عليه و آله): وأن سبعة لم يقلبوه.
وقال ابن هشام في السيرة: وألقى علي الباب وراء ظهره ثمانين شبراً،وفي رواية أنّ علياً لما انتهى إلى الحصن،اجتذب باب الحصن فألقاه بالأرض،فاجتمع عليه بعده سبعون رجلاً،حتى أعادوه إلى مكانه.
 ولعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن الإمام علياً(عليه السلام)نفسه،إنما يقول عن هذا الحادث:«والله ما قلعت باب خيبر بقوة جسدية،ولكن بقوة ربانية».[14]
إلا كان له من أمته
وفي المحلى عن أبي رافع مولى رسول الله(صلي الله عليه و آله)أنّ عبدالله بن مسعود حدثه أنّ رسول الله(صلي الله عليه و آله)قال: «ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب،يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره،ثم يحدث من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون،ويفعلون ما لا يؤمرون،فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن،ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن،ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن،ليس وراء ذلك من الأيمان حبة خردل».{C}[15]
استحباب التأذين
فعن أبي رافع أنه قال:رأيت رسول الله(صلي الله عليه و آله)أذن في أذن الحسن بن علي حين ولدته فاطمة.
رواه أبوداود والترمذي وقال حديث صحيح؛وذكره الحاكمفي مستدركه.
وفاته
وتوفي أبورافع رضوان الله عليه في خلافة عثمان ودفن في البقيع،وقيل‏:‏في خلافة علي(عليه السلام)وقيل: توفي بالكوفة سنة أربعين هجرية.
وقيل:إنه أوصى إلى الإمام علي(عليه السلام)فكان الإمام علي(عليه السلام)يزكي أموال بني أبي رافع وهم أيتام.
 لقد توفي هذا الصحابي الجليل رضوان الله تعالى عليه بعد أن سجل اسمه مع)رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ(فرحمة الله تعالى عليه.
وهو)مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً(.[16]
 
 

[1]. أنظر: حلية الأولياء 1 : 183ـ184.
[2]. حلية الأولياء 1 : 184 ـ 185.
[3]. تاريخ الطبري 2 : 216.
[4]. مسند أحمد بن حنبل 6 : 272.
[5]. سيرة ابن هشام 2 : 646.
[6]. أنظر: معجم رجال الحديث ـ للسيد الخوئي 1 :52 ؛ وانظر رجال النجاشي وغيرهما.
[7]. أنظر: رواة حديث الغدير من الصحابة ، كتاب الغدير.
[8]. أسني المطالب: 4.
[9]. أنظر: سيرة ابن هشام، فتح خيبر؛ البداية و النهاية، لابن كثير 5 : 318 ؛ الكامل في التاريخ، ابن الأثير 2 : 15.
[10]. المغازي، للواقدي 3: 1079 و ما بعدها.
[11]. المصدر نفسه 2 : 829 .
[12]. المائدة: 55 .
[13]. البداية والنهاية 6 : 122.
[14]. تاريخ الخلفاء : 167؛ سيرة ابن هشام 3 : 251 ؛ ونهج البلاغة.
[15]. المحلى 9 : 361.
[16]. النساء : 69.