الأجوبه الهاديه الي سواء السبيل
مشاهدات:297

يقول جامع الأسئلة إنّه قام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب بتزويج ابنته أُمّ كلثوم من عمر بن الخطّاب ، وهذا دليل على حسن العلاقة بينهما


الجواب :زواج أُمّ كلثوم من عمر بن الخطّاب مسألة تاريخيّة مُختلَفٌ فيها بحيث لا يمكن الاعتماد عليها إطلاقاً . والدليل على ذلك نقل هذه الحادثة بأشكال متناقضة ومتضاربة ، الأمر الذي يجعلنا لا نعتمد على صحّة وجودها ، ومن جملة ذلك :
1 ـ أنّ عليّاً(عليه السلام) هو من قام بالعقد لعمر على أُمّ كلثوم .
2 ـ أنّ العقد كان بواسطة العبّاس عمّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) .
3 ـ أنّ هذا الزواج تمّ تحت التهديد (تهديد عمر) .
4 ـ أنّه تمَّ بإقامة الزفاف ، وأنّ عمر كان له ولد من أُمّ كلثوم باسم زيد .
5 ـ أنّ الخليفة عمر قد قُتل قبل مراسم الزفاف .
6 ـ أنّ زيداً أيضاً كان له ولد .
7 ـ أنّ زيداً قتل مع أُمّه في يوم واحد .
8 ـ أنّ أُمّه كانت موجودة بعد وفاته .
9 ـ أنّه قُتل ولم يكن له وارث يرثه .
10 ـ أنّ مهرها كان أربعين ألف درهم .
11 ـ أنّ مهرها كان أربعة آلاف درهم .
12 ـ أنّ مهرها كان خمسمائة درهم .
هذه الاختلافات في النقل تبعث الشكّ في ذهن المرء ، ممّا يجعل صحّة وقوع هذا الزواج مورداً للتساؤل([1]) .
ثمّ إنّه على فرض حصول هذا الزواج ، فهو لم يقع عن طيب نفس وقبول ورضى ورغبة ، وذلك بملاحظة الأُمور التالية :
1 ـ العلاقة التي تربط بين بيت النبوّة وبيت الخلافة ، كانت علاقة متوتّرة متكدّرة ، وأنّ الهجوم الذي تمَّ على بيت الوحي من قبل الخليفة الثاني وأتباعه ، وهتك حرمة كريمة النبيّ وقرّة عينه ـ فاطمة الزهراء(عليها السلام)ـ لا يمكن إنكاره ، والوثائق التاريخيّة المعتبرة شاهدة على ذلك.([2])
2 ـ أنّ عمر بن الخطّاب كان رجلاً خشناً وفظّاً ، بحيث إنّ اختيار الخليفة الأوّل لخلافته قد أثار اعتراض فريق من الصحابة على ذلك، كما جاء في كنز العمال عن زيد بن الحارث أن أبا بكر حين حضره الموت أرسل إلى عمر يستخلفه، فقال الناس: تستخلف علينا فظاً غليظاً، لو قد ولينا كان أفظّ وأغلظ، فما تقول لربك إذا لقيته، وقد استخلفت علينا عمر .([3])
3 ـ نقل الطبري أنّ عمر خطب أُمّ كلثوم بنت أبي بكر ، وهي صغيرة ، وأرسل فيها إلى عائشة ، فقالت الأمر إليك ، فقالت أُمّ كلثوم : ولا حاجة لي فيه ، فقالت لها عائشة : ترغبين عن أمير المؤمنين ؟ قالت : نعم ، إنّه خشن العيش شديد على النساء ، فأرسلت عائشة إلى عمرو بن العاص فأخبرته فقال : أكفيك . فأتى عمر فقال : يا أمير المؤمنين بلغني خبر أعيذُك بالله  منه، قال : وما هو ؟ قال : خطبت أُمّ كلثوم بنت أبي بكر ؟ قال : نعم ، أفرغبت بي عنها أم رغبت بها عنّي ؟ قال : لا واحدة ، ولكنّها حدثة نشأت تحت كنف أُمّ المؤمنين في لين ورفق، وفيك غلظة ونحن نهابك وما نقدر أن نردّك عن خلق من أخلاقك ، فكيف بها إن خالفتك في شيء فسطوت بها ، كنت قد خلفت أبا بكر في ولده بغير ما يحقّ عليك . . .»([4]) .
4. لو كان الزواج دليلاً على حسن العلاقات بين الأشخاص والعائلات ودليلاً على وجود الانسجام الفكري والعقائدي ، لقلنا إنّ هناك تقارباً بين رسول الله(صلى الله عليه وآله)وبين أبي سفيان بسبب زواج النبيّ من أُمّ حبيبة بنت أبي سفيان وهو الذي خاض حروباً دمويّة ضد الإسلام كأُحد والأحزاب واللّتين لعب فيهما دوراً بارزاً وأساسيّاً .
وكذلك فإنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) كان قد تزوّج صفيّة بنت حيي بن أخطب ، فهل هذا الزواج يدلّ على التقارب الفكري والعقائدي ؟!
بقي القول إنّ أعلام الشيعة قد كتبوا رسائل متعدّدة حول هذه المسألة التاريخيّة ـ زواج عمر من اُمّ كلثوم ـ ومن أراد مزيداً من الاطلاع فليرجع إلى مقال «نظرة على كتاب حقيقة وليس افتراء». ([5])
 
[1]. راجع: «الذريّة الطاهرة» لابن بشر الدولابي (224 ـ 310 هـ): 157 و 162، والذي ذكر هذه الاختلافات .
[2]. الهجوم على بيت الوحي وهتك حرمة بيت النبيّ(صلى الله عليه وآله) ذُكر في أهمّ كتب السنّة أمثال «المصنّف» لابن أبي شيبة (استاذ البخاري) (المتوفّى سنة 235 هـ ): 8 / 490 ، رقم 4549 ، وأنساب الأشراف تأليف البلاذري: 1 / 586 طبع دار المعارف ، القاهرة ، وكتاب الإمامة والسياسة لابن قتيبة (213 ـ 276 هـ): 1 / 12 و 13، طبع المكتبة التجارية الكبرى بمصر ، وكتاب تاريخ الطبري: 2 / 443 ، والاستيعاب: 3 / 972 وغيرها . . .
[3]. كنز العمال: 5 / 677، برقم 14178 .
[4]. تاريخ الطبري : 3 / 270، مؤسّسة الأعلمي ـ بيروت .
[5]. نشر هذا المقال في: رسائل ومقالات : 6 / 361 ـ 381 .