الأجوبه الهاديه الي سواء السبيل
مشاهدات:354

الكثير من كبار الصحابة تربطهم علاقات مصاهرة بآل بيت النبيّ(صلى الله عليه وآله) ، ألا يُعدّ ذلك دليلاً على وجود علاقة محبّة ومودّة بينهم ؟


الجواب :ألفِتُ انتباه السائل إلى نكتتين :
1 ـ إنّ السائل من خلال طرحه لهذا السؤال يكشف عن أنّ له تفكيراً قبليّاً ، لأنّه يقول إنّ المصاهرة الحاصلة بين الصحابة وأهل البيت(عليهم السلام) دليلٌ على المحبّة والأُلفة الكاملة بينهم . وهذه عادة قبليّة منتشرة بين قبائل العرب ; وهي أنّ الزواج علامة على المحبّة والأُلفة بين القبيلتين . والحال أنّ الاختلاف بين أهل البيت وبعض الصحابة ـ وليس كلّ الصحابة ـ لم يكن اختلافاً قبليّاً ، بل كان اختلافاً عقائديّاً وسلوكياً لا يزول بمجرّد التزاوج بين بعض الأحفاد أو أبناء الأحفاد .
وبتعبير آخر : لو كان اختلاف أهل بيت الرسالة مع الفِرق الأُخرى اختلافاً سياسيّاً أو ماديّاً لكان إنشاء علاقة مصاهرة أو نسب من شأنه أن يُقرّب بين الفريقين ويزرع الأُلفة بينهما .
إنّ اختلاف بعض الصحابة مع قائد الأُمّة بعد النبيّ(صلى الله عليه وآله) مبنيّ على أمر أساسيّ ، لا يمكن أن يزول بحصول بعض الزيجات ، والدليل على ذلك أنّه لا يزال باقياً إلى يومنا هذا .
إذن زواج شخصين أو ثلاثة من أبناء الحسن أو الحسين(عليهما السلام) ببعض أحفاد الخلفاء أو أتباعهم ليس دليلاً على الاتفاق معهم في جميع المسائل ; عقائديّة كانت أم سياسيّة أم فقهيّة ، ففي العراق مثلاً : يكثر الزواج بين العوائل السنّية والشيعيّة لكنّه لا يدلّ إطلاقاً على أنّ عائلة أحد الزوجين تقبل عقيدة العائلة الأُخرى بمجرّد ذلك الزواج ، كما أنّ الخليفة الثالث كانت له امرأة مسيحيّة باسم «نائلة» فهل يكون هذا مؤشّراً على أنّه صار مسيحيّاً بزواجه منها ؟([1]) .
2 ـ إنّ الزواج بين أحفاد الصحابة قائم على أصل قرآني وهو: (أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)([2]) ، بمعنى أنّه إذا اعتدى أقارب الزوج أو الزوجة على أهل بيت النبوّة وقاموا بظلم بنت النبيّ(صلى الله عليه وآله) فذلك لا يعدّ سبباً لإشراك أحفادهم وأحفاد أحفادهم في ذلك الظلم ; لأنّ كلّ إنسان مسؤول عن أعماله .
ولقد مرّ في جواب السؤال الثالث أنّنا ذكرنا أنّ الأئمّة المعصومين كانوا يضعون أسماء الخلفاء لأبنائهم ، وفي بعض الحالات كانوا يقبلون ببعض الزيجات بُغية التقليل من الضغط والتضييق .
والحاصل: أنّ هذه العلاقات والروابط لا يمكنها أن تدلّ على وحدة العقيدة وانسجام الفكر .
ثم إنّه لمن السذاجة معالجة الأُمور الدقيقة والخلافات المعمقة بهذه الأدلّة السطحية التي لا تقوم على دليل راسخ، بل الواقع التاريخي للمسلمين يكذبها، فكم من واقعة وجدنا الأخ يقف بوجه أخيه والابن بوجه أبيه و... فهذا الزبير يقود الجيوش لمحاربة ابن خاله أميرالمؤمنين (عليه السلام)، وهذا محمد ابن أبي بكر يقف إلى جنب أمير المؤمنين (عليه السلام)بوجه أخته عائشة في معركة الجمل .
هذا من جهة، ومن جهة أُخرى أنّ الانحراف بالمسألة عن مسارها الطبيعي وتصوير القضية بأنّ الشيعة تدّعي أنّ الصحابة لا تحب أهل البيت(عليهم السلام)وتكن لهم العداء، يُعد انحرافاً عن البحث الموضوعي، لأن معتقدات الشيعة في واقع الحال يدور بحثها ونقاشها حول البحث عن الحجّة الشرعية بعد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وبما أنّهم قد ثبت عندهم بالدليل القاطع أنّ الحجة المنصوب من قبل الله ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم)هو الإمام علي (عليه السلام)وعترته الطاهرين(عليهم السلام)، من هنا يرون أنّ كل تجاوز على مقام الحجة ودفعه عن مرتبته التي رتبه الله فيها يُعد اعتداء على الدين وانحرافاً عن قيم الرسالة ومخالفة لأوامر رسول الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم).
 
[1]. البداية والنهاية : 7 / 173 .
[2]. النجم : 38 .