الأجوبه الهاديه الي سواء السبيل
مشاهدات:288

الشيعة وشبهة التناقض بين صلح الحسن وقتال الإمام الحسين


كان الحسن بن عليّ(عليهما السلام)يمتلك قوّة كبيرة تمكِّنه من خوض الحرب ، ومع ذلك صالحَ معاوية ، أمّا الحسين بن عليّ(عليهما السلام)فلم يكن يمتلك قوّة تمكّنه من خوض حرب ومع ذلك خرج في مقاتلة جيش يزيد! وهذا يدلّ على أنّ أحدهما (الحسن والحسين) كان مخطئاً ؟
الجواب :1. أنا أعجب من هذا السائل وأصحابه لأنّهم ألبسوا الصحابة لباس العدالة إن لم نقل لباس العصمة ، وهم يعدّونهم على جانب كبير من الطهارة والتنزّه عن المعصية .
أو ليس الحسن والحسين اللّذان ورد الثناء عليهما ومدحهما على لسان جدّهما رسول الله(صلى الله عليه وآله) في الأحاديث الصحيحة من الصحابة ؟ ولماذا يجب تخطئة أحدهما ؟
إنّ هذا يدلّ على أنّ مروّج الأسئلة شخص ناصبي وانّه لم يُعر أيّ اهتمام لقرّتيّ عيني رسول الله وفلذتيّ كبده ، ولم يهتم بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم)بحقهما: «مَنْ أحبّني وأحبّ هذين (يعني الحسن والحسين) وأباهما وأُمّهما كان معي في درجتي يوم القيامة»([1]) .
وقال أيضاً : «الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة»([2]) .
2 ـ صاحب السؤال يتصوّر أنّ هذين الإمامين الطاهرين كانا يطلبان السلطة والحكومة ، وأنّ هدفهما كان كهدف معاوية الذي صعد المنبر بعد صلحه مع الإمام الحسن بن عليّ ، وقال : ما قاتلتكم لتصوموا ولا لتصلوا ولا لتحجّوا ولا لتزكوا، قد عرفت أنكم تفعلون ذلك  ولكن إنّما قاتلتكم لأتأمّر عليكم .([3])
فالحسن والحسين إمامان معصومان ، كانا يؤدّيان واجبهما ووظيفتهما ، ولم يكونا يبحثان عن الحكم ، فكانت وظيفتهما أحياناً تتمثّل في عقد الصلح ، وأحياناً أُخرى تتمثّل في الثورة والجهاد ، شأنهما في ذلك شأن جدّهما النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله) الذي قاتل في بدر وأُحد والأحزاب ، وصالح في الحديبيّة .
3 ـ إنّ الحسن بن عليّ(عليهما السلام) لو كان جيشه مطيعاً له، لسلك نفس الطريق الذي سلكه أخوه الحسين بن عليّ(عليهما السلام) ، لأنّ جيش الحسن(عليه السلام)غلب عليه الخلاف والتشتت وحبّ الراحة والدِّعة، وتسرب حب الدُّنيا إلى قلوب أصحابه فتقاعسوا عن الجهاد وحبّ الشهادة، وخوض حرب بهكذا جيش ليس معناه إلاّ الهزيمة والدمار ، ممّا جعل الحسن(عليه السلام) يسحب يده من الحرب ويتحمّل مرارة الصلح .
ولعلّه لا توجد وثيقة أصدق وأبلغ من كلام الإمام الحسن المجتبى(عليه السلام)، لرسم أبعاد المجتمع المتشتّت والمنقسم في تلك الأيّام ، وتبيّن مدى عجز العراقيّين عن الحرب في ذلك الزمان، فعندما كان الحسن(عليه السلام) في «المدائن» وهي أقصى نقطة تقدّم إليها جيشه لمواجهة معاوية ، قام بإلقاء خطبة جامعة مهيّجة للأحزان ، حيث قال بعد حمد الله عزّ وجلّ :
«إنّا والله ما ثنانا عن أهل الشام شك ولا ندم وإنّما كنّا نقاتل أهل الشام بالسلامة والصبر ، فسُلبت السلامة بالعداوة والصبر بالجزع ، وكنتم في منتدبكم إلى صفّين ودينكم أمام دُنياكم ، فأصبحتم اليوم ودُنياكم أمام دينكم ، ألا وأنّا لكم كما كنّا ، ولستم لنا كما كنتم، ألا وقد أصبحتم بين قتيلين ; قتيلٌ بصفّين تبكون عليه ، وقتيلٌ بالنهروان تطلبون بثأره ، فأمّا الباقي فخاذل ، وأمّا الباكي فثائر ، ألا وإنّ معاوية دعانا إلى أمر ليس فيه عزّ ولا نصفة ، فإن أردتم الموت رددناه عليه وحاكمناه إلى الله ـ عزّ وجلّ ـ بظباء السيوف ، وإن أردتم الحياة قبلناه وأخذنا لكم الرضا» . فناداه القوم من كلّ جانب: البقية البقية ، فلمّا أفردوه([4]) أمضى الصلح.([5])
فإنّ النظر إلى جيش كهذا فاقد لروح القتال ، كيف يمكن للإمام(عليه السلام) أن يدخل به في حرب مع عدوٍّ ماكر مثل معاوية ؟ وهل يبقى هناك أملٌ بالانتصار مع هذا الحال ؟
الشيعة ومصحف فاطمة     
لقد كتب المؤرِّخون كتباً قيّمة حول موضوع صلح الإمام الحسن(عليه السلام)ولكن للأسف أنّ صاحب هذا الكتيّب ليس له علمٌ بذلك ، ولذلك ننصح من يريد التعرّف على هذا الموضوع أن يقرأ كتاب «صلح الحسن» للشيخ راضي آل ياسين .
وهناك أمرٌ آخر نشير إليه هنا وهو أن عدم مقاتلة الحسن(عليه السلام) بذلك الجمع من جيشه كما قاتل أخوه الحسين(عليه السلام) بذلك العدد القليل من أصحابه (72 رجلاً) ، يعود إلى أنّ الإمام الحسن(عليه السلام) كان يعلم أنّ شهادته في تلك الظروف سوف لا تساعد على تغيير الأوضاع ، ولا تقود الناس للثورة على النظام الأموي الظالم ، لأنّهم لم يتعرفوا آنذاك على هذا النظام بشكل جيّد والرؤية عندهم لم تكن واضحة ، على خلاف وضوح الرؤية في عهد يزيد ابن معاوية ومعرفة ظلمه وفجوره، ممّا دفع بالحسين(عليه السلام)بالثورة عليه ، فكانت شهادته سبباً حرّك العالم الإسلامي برمّته ، وأوجدت ثورات متعاقبة .
 
 
[1]. سنن الترمذي : 5 / 305، برقم 3816، باب 92 مناقب علي بن أبي طالب ; مسند أحمد : 1 / 77 .
[2]. سنن الترمذي : 5 / 321، برقم 3856، باب مناقب الحسن والحسين (عليهما السلام); مستدرك الحاكم : 3 / 151 ـ 154 .
[3]. البداية والنهاية: 8 / 140 .
[4]. أفردوه : أي تركوه فرداً وحيداً .
[5]. أُسد الغابة : 2 / 17 .