الأجوبه الهاديه الي سواء السبيل
مشاهدات:306

نقل جامع الأسئلة حديثاً من أُصول الكافي ورد فيه ذكر «مصحف فاطمة» حيث أخذ لفظة المصحف بمعنى القرآن ، وقام بطرح أسئلة عديدة منها:


هل كان رسول الله والصحابة يعرفون قرآن فاطمة ؟
الجواب :إنّ السائل يتصوّر أنّ لفظة «مصحف» هي بمعنى القرآن في لغة العرب ، وكذا في عصر النبيّ (صلى الله عليه وآله) ، والحال أنّ لفظة «مصحف» أُخذت من لفظة «صحيفة» وهي بمعنى مطلق الكتاب .
وقد جاءت هذه الكلمة في القرآن ، قال تعالى : (وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ)([1]) . وقال سبحانه: (إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الاُْولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى)(2) .
كما أنّ التاريخ شاهد على أنّ «المصحف» في صدر الإسلام كان يُطلق على الدفتر أو الكتاب المجلّد ، وحتّى بعد وفاة النبيّ(صلى الله عليه وآله) لم يكن المصحف اسماً للقرآن بل كان اسماً لكلّ كتاب مجلَّد .
ينقل ابن أبي داود السجستاني في باب جمع القرآن في مصحف ، عن محمّد بن سيرين : عندما توفّي النبيّ(صلى الله عليه وآله) أقسم عليّ على أن لا يضع رداءه على عاتقه إلاّ لصلاة الجمعة حتّى يجمع القرآن في مصحف .
كما ينقل ابن أبي العالية : أنّهم جمعوا القرآن في خلافة أبي بكر في مصحف . ونُقل أيضاً : أنّ عمر بن الخطّاب سأل عن آية من كتاب الله فقيل كانت مع فلان فقُتل يوم اليمامة فقال : إنّا لله ، وأمر بالقرآن فجُمع ، وكان أوّل من جمعه في مصحف.([2])
وهذه الجمل المنقولة تحكي أنّ المصحف في تلك الأيّام بمعنى الكرّاس الكبير أو الكتاب المجلّد ، يوضع لحفظ الأوراق المبعثرة ، وبمرور الزمن أصبح المصحف مختصّاً بالقرآن .
والجدير بالذكر أنّ روايات أئمّتنا(عليهم السلام) تحكي أنّه حتّى في زمانهم كان لفظ المصحف بمعنى الكتاب والدفتر المكتوب .
يقول الإمام الصادق(عليه السلام) : «من قرأ القرآن في المصحف متّع ببصره وخفّف عن والديه».([3])
وقال أيضاً : «قراءة القرآن في المصحف تُخفّف العذاب عن الوالدين وإن كانا كافرين».([4])
ونقل المؤرّخون حول ترجمة خالد بن معدان : الحمصي (المتوفّى 104 هـ ) ما رأيت أحداً ألزم للعلم منه ، كان علمه في مصحف له أزرار وعرى.([5])
وخالد بن معدان من التابعين وقد أدرك سبعين صحابيّاً.([6])
إلى هنا يتّضح أنّه إلى آخر القرن الأوّل كان لفظ «المصحف» بمعنى الكتاب المجلّد ، والكرّاس المجلّد الذي يكتب فيه العلماء والمتعلِّمون علومهم ، فإذا سمّوا بعد ذلك القرآن مصحفاً ، فإنّه بسبب تبادر ذلك إلى أذهانهم بعدما كُتب في الأوراق ، وجُمع على شكل كتاب مجلّد .
وبالالتفات إلى ما ذكرنا ، يزول ذلك العجب من أن يكون لبنت رسول الله(صلى الله عليه وآله) مصحف جمعت فيه علومها لتتركه لأبنائها من بعدها كأفضل ميراث وأعزّ ذكرى .
ومن حسن الحظّ فإنّ أبناء فاطمة(عليها السلام) يعرفون حقيقة هذا المصحف ; فذكروا أنّه ليس إلاّ قسماً من الأخبار التي سمعتها(عليها السلام) من أبيها(صلى الله عليه وآله) ومن الملائكة «لأنّها محدَّثة» وليس شيئاً آخر .
ولنذكر بعض الروايات في ذلك :
عن أبي بصير قال : دخلت على أبي عبدالله(عليه السلام) . . . . إلى أن قال : «وإنّ عندنا لمصحف فاطمة(عليها السلام) وما يدريهم ما مصحف فاطمة(عليها السلام) ؟» قال : قلت : وما مصحف فاطمة ؟ قال : «مصحف فاطمة فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرّات ، والله ما فيه من قرآنكم حرفٌ واحد» ، قال : قلت : هذا والله العلم ، قال : «إنّه لعلم وما هو بذاك».([7])
وروى أبو حمزة عن أبي عبدالله(عليه السلام) أنّه قال : «مصحف فاطمة ما فيه شيء من كتاب الله ، وإنّما هو شيء أُلقي إليها بعد موت أبيها صلى الله عليهما».([8])
فظهر ممّا ذكرنا أنّه كان عند فاطمة مصحف ، حسب ما تضافرت عليه الروايات ، ولكن المصحف ليس اسماً مختصّاً بالقرآن حتّى تختصّ بنت المصطفى بقرآن خاصّ ، وإنّما كان كتاباً فيه الملاحم والأخبار .
وبالتمعّن في هذه الروايات يتّضح لنا أنّ مصحف فاطمة لا علاقة له بالقرآن .
 
[1]. التكوير : 10 .      2 . الأعلى : 18 و 19 .
[2]. كتاب المصاحف ، تأليف الحافظ أبي بكر عبدالله بن أبي داود السجستاني : 16 .
[3]. أُصول الكافي : 2 / 613 .
[4]. نفس المصدر .
[5]. تذكرة الحفاظ: 1 / 93 .
[6]. اللباب في تهذيب الأنساب لابن الأثير : 3 / 123.
[7]. الكافي : 1 / 239 .
[8]. بصائر الدرجات : 195، الحديث 27 .