الأجوبه الهاديه الي سواء السبيل
مشاهدات:357

لماذا لم يصل علي (عليه السلام)بالناس في أيام مرض النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)؟


لماذا لم يصل علي بن أبي طالب(عليه السلام)بالناس صلاة واحدة في أيام مرض النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)الّذي مات فيه، ما دام هو الإمام من بعده؟ فالإمامة الصغرى دليل على الإمامة الكبرى.
    
الجواب:إنّ هذا السؤال يشير إلى أُمور ثلاثة:
الأوّل:أنّ الإمامة الصغرى (في الصلاة) دليل على الإمامة الكبرى (الولاية).
الثاني:أنّ علياً لم يصل بالناس أيام مرض النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو دليل على عدم كونه إماماً.
الثالث:أنّ أبا بكر صلى بالناس في مرض النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وهذا دليل على إمامته الكبرى.
وإليك تحليل هذه الأُمور:
أما الأوّلفهو أمر عجيب إذ كيف يستدل بتكليف الإنسان بوظيفة صغيرة (كإمامة الجماعة) على كفاءته واستحقاقه لوظيفة ومنصب خطير (الولاية).
فلو افترضنا أنّ رجلاً كان صالحاً لأن يكون حاكماً لمدينة صغيرة فهل يكون ذلك دليلاً على صلاحيته لرئاسة دولة كبيرة، ومن استدل بهذه الطريقة، كعضد الدين الإيجي في مواقفه([1]) والرازي في أربعينه([2]) فقد غفل عن الضابطة، ومع ذلك فهناك من أهل السنة من وقف على ضعف الاستدلال منهم ابن تيمية حيث قال: فالاستخلاف في الحياة نوع نيابة لابد منه لكل ولي أمر، وليس كل من يصلح للاستخلاف في الحياة على بعض الأُمّة يصلح أن يستخلف بعد الموت (على جميع الأُمّة) فإن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)استخلف في حياته غير واحد ومنهم من لايصلح للخلافة بعد موته. كما استعمل ابن أُم مكتوم الأعمى في حياته وهولا يصلح للخلافة بعد موته .([3])
أمّا الثاني، فجوابه أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)كان يؤم الناس طيلة أيام مرضه فلم يكن لعلي مع وجود النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)مجال للصلاة بالناس.
والدليل على اهتمامه بإمامة الناس في الصلاة أيام مرضه هو أنّه بعدما سمع أنّ أبا بكر تقدم لإمامة المصلين خرج من بيته وأمر أبا بكر بالتأخر وقام مكانه وصلى هو بالناس. وسيوافيك تفصيله.
وإذا كان الحال كما ذكرنا فعدم إمامة علي (عليه السلام)بالناس للصلاة لا يكون دليلاً على عدم استحقاقه الإمامة الكبرى.
ويشهد على اهتمام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بأمر صلاة الجماعة طيلة فترة مرضه وعدم فسح المجال لإمامة شخص آخر أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)وجد من نفسه خفّة فخرج بين رجلين ـ أحدهما العباس ـ لصلاة الظهر وأبو بكر يصلي بالناس، فلمّا رآه أبو بكر ذهب ليتأخر... ([4])
وهذا يدل على أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)كان مهتماً بأمر الصلاة بنفسه وعندما اطّلع على أنّ أبا بكر تقدّم للصلاة خرج متّكئاً على رجلين، ليأمّ الناس بنفسه.
وأما الثالثـ أعني: أنّ أبا بكر قد صلى بالناس في مرض النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بأمر منه ـ فهذا غير ثابت ، وإن كان القوم قد أكثروا من الاستدلال به، ولكن هناك وجوهاً ربّما تشرف الإنسان على القطع بكذب القضية بأجمعها أو ببعضها وإليك تلك الوجوه:
1. كون أبي بكر في جيش أُسامة
اتفقت المصادر على أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بعث سرية بإمرة أُسامة بن زيد لجهاد الروم وأمر بخروج أكابر الصحابة فيها، كأبي بكر وعمر، وجعل أُسامة أميراً عليهم .
وكان تجهيز أُسامة يوم السبت قبل وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بيومين ([5])، ولمّا وصل القوم إلى الجرف توقفوا عن المسير لعلمهم بمرض النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ولمّا اطّلع الرسول على توقّفهم وعدم سيرهم، خرج (صلى الله عليه وآله وسلم)ولعن من تخلّف عن المسير معه .([6])
فلو صلى أبو بكر مكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فإنّما صلى في ذينك اليومين ولكنه كيف يمكن للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أن يأمر أبا بكر بالصلاة في مكانه من جانب، ومن جانب آخر يبعثه مع أُسامة لجهاد الروم ويلعن من تخلّف عنه، فهاتان القضيتان لا تجتمعان.
2. لو صحّ صلاة أبي بكر بالناس في حال حياة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لاستند هو نفسه بذلك في يوم السقيفة وجعل ذلك دليلاً على استحقاقه للخلافة.
3. انّ القضية نقلت بصور مختلفة، ويشهد هذا الاختلاف على كذب القضية أو تطرق الدس والتزوير على مضمونها، فتارة نرى أنّ الرواية كانت هي قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): مروا أبا بكر فليصل بالناس.([7])
وأُخرى ما يدل على أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)أمر بأن يصلي بالمسلمين أحدهم من دون أن يعيّن شخصاً. ويدل على ذلك ما رواه أبو داود عن ابن زمعة قال: لما استعزّ برسول الله، وأنا عنده في نفر من المسلمين، دعاه بلال إلى الصلاة، فقال: مرّوا من يصلي بالناس ([8]).
وثالثة: نراه (صلى الله عليه وآله وسلم)يأمر بلالاً أن يصلي بالناس، حيث روى سالم بن عبيد الأشجعي، قال: إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لما اشتدّ مرضه أُغمي عليه كلّما أفاق، قال: مروا بلالاً فليؤذن ومرّوا بلالاً فليصلّ بالناس. ([9])
ومع وجود هذه الروايات المتضاربة كيف يمكن أن نسلّم أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أمر أبا بكر بالصلاة بالناس، وحتّى لو سلمنا صلاته بالناس، فقد اختلفت الكلمة في كيفية صلاته.
فقد جاء في نيل الأوطار: وقد اختلف في ذلك (أي في إمامة الصلاة في مرض النبي لأبي بكر) اختلافاً شديداً كما قال الحافظ، ففي رواية لأبي داود أنّ رسول الله كان المقدم بين يدي أبي بكر، وفي رواية لابن خزيمة في صحيحه عن عائشة أنّها قالت: من الناس مَنْ يقول كان أبو بكر المتقدم بين يدي رسول الله، ومنهم من يقول كان النبي المقدّم. والظاهر من رواية الباب المتفق عليها أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)كان إماماً، وأبو بكر كان مؤتمّاً، وتؤيد ذلك رواية مسلم .([10])
والعجب أنّ جماعة صلّوا بالناس في غياب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)مرات كثيرة، كابن أم مكتوم وغيره. كما أنّ علياً قام بكافة وظائف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في فترة غيابه في غزوة تبوك فقد صلى بالناس أربعة أشهر، ومع ذلك نرى القوم يمرّون على هذا الأمر مرور الكرام.
بقيت هنا ملاحظة يجب ذكرها وهي أنّ المصادر نقلت أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)قال لعائشة وحفصة ـ في مرضه الّذي مات فيه ـ قال: «إنّكنّ لصويحبات يوسف». وهذا يدل على أنّه كان لهما دورٌ واضح وحرص أكيد لأبويهما إمّا في أمر الصلاة، أو ما يشبه ذلك ليكون ذريعة على رفع مقامهما بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).([11])
نقل ابن أبي الحديد المعتزلي أنّ علياً كان يقول: إنّه لم يقل (صلى الله عليه وآله وسلم)إنكنّ لصويحبات يوسف إلاّ إنكاراً لهذا الحال وغضباً منها لأنّها (عائشة) وحفصة تبادرتا إلى تعيين أبويهما وإنّه استدركها بخروجه وصرفه عن المحراب. ([12])
 
[1]. المواقف: 3 / 609 .
[2]. الأربعين في أُصول الدين: 2 / 92 .
[3]. منهاج السنة: 4 / 91 .
[4]. مسند أحمد: 2 / 52، وج 6 / 224 ; صحيح البخاري: 1 / 169 ; صحيح مسلم: 2 / 21 ; سنن ابن ماجة: 1 / 389، برقم 1232 .
[5]. فتح الباري: 8 / 115 ـ 124، باب بعث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أُسامة بن زيد.
[6]. الملل والنحل: 1 / 23 ; شرح المواقف: 8 / 386 .
[7]. صحيح البخاري: 1 / 162 ـ 176، كتاب الجماعة والإمامة، باب أهل العلم والفضل أحق بالإمامة، برقم 56 .
[8]. سنن أبي داود: 2 / 405، برقم 4660; مسند أحمد: 4 / 322 .
[9]. بغية الطلب في تاريخ حلب لكمال الدين ابن العديم الحنفي، المتوفّى سنة 660 هـ، (مخطوط): الورقة 194 .
[10]. نيل الأوطار: 3 / 39 .
[11]. تاريخ الطبري: 2 / 439.
[12]. شرح نهج البلاغة: 9 / 197 .