الأجوبه الهاديه الي سواء السبيل
مشاهدات:348

هل نزلت على النبي كتب أُخرى غير القرآن ؟


هل نزلت على النبيّ(صلى الله عليه وآله)كتب أُخرى غير القرآن اختص بها عليُّ؟ وإن قلتم لا، فما هو المراد من الجامعة ، وصحيفة الناموس، والصحيفة العبيطة ، وصحيفة ذؤابة السيف ، صحيفة عليّ ، والجفر ، ومصحف فاطمة ، ونُسخ من التوراة والإنجيل والزبور ، وكلّها يحتفظ بها أئمّة الشيعة ؟
الجواب :خلّف النبيّ(صلى الله عليه وآله)بعد وفاته مصدرين مهمّين هما:
كتاب الله المجيد وسنته (صلى الله عليه وآله وسلم)الشريفة.
وهذان المصدران هما الركيزتان الأساسيّتان اللّتان يقوم عليهما الإسلام ، أمّا أحاديث الأئمّة المعصومين(عليهم السلام) فهي انعكاس لما جاء في القرآن الكريم وسنّة النبيّ(صلى الله عليه وآله) ، كيف لا وكلّ ما يقولونه قد نقلوه عن النبيّ(صلى الله عليه وآله)فهم أعدال القرآن وشُرّاحه والثقل الأصغر كما جاء في حديث الثقلين الذي نقله مسلم في صحيحه . فوجودهم(عليهم السلام) ضمانٌ لحفظ السنّة النبويّة المطهّرة من أيدي العابثين ، وأمّا ما أشار إليه من الكتب فإنّ قسماً كبيراً منها، أحاديث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)الّتي كتبها الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)وورثه أولاده، والإمام علي (عليه السلام)كان هوالرجل المقدام في ضبط أحاديث الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)عمل بما أمر به رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)حيث كان رسول الله(صلى الله عليه وآله) يأمر بكتابتها في أغلب الأحيان ، ولنأخذ نماذج على ذلك :
1 ـ ألقى النبيّ(صلى الله عليه وآله) خطبة بعد فتح مكّة وعندما أتمّها ، جاءه رجلٌ من أهل اليمن فقال : اكتب لي يارسول الله ، فقال : «اكتبوا لأبي فلان»،([1]) يعني هذه الخطبة .
2 ـ وفي آخر أيّام حياته الشريفة قال : «إئتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده . .» فقال عمر : إنّ النبيّ غلبه الوجع.([2])
3 ـ «كان رجلٌ من الأنصار يجلس إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله) فيسمع من النبيّ(صلى الله عليه وآله)الحديث فيعجبه ولا يحفظه ، فشكا ذلك إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله) ، فقال : يارسول الله إنّي أسمع منك الحديث فيعجبني ولا أحفظه ، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله) : «استعن بيمينك» وأومأ بيده الخط .([3])
وقد أمر القرآن الكريم المسلمين بالكتابة عن المداينة (وهي أطول آية في القرآن) في سورة البقرة / الآية 282 ، فهل الكتابة عن المداينة تكتب وتُدوّن ، وأحاديث النبيّ(صلى الله عليه وآله) التي هي عِدل القرآن لا تستحقّ الكتابة ، وبالتالي لا تستحقّ تلك المكانة الكبيرة من العناية والاهتمام ؟!
إنّ تلك المكانة والأهمّية التي تحظى بها سنّة النبيّ(صلى الله عليه وآله) هي التي جعلت عليّاً وأبناءه(عليهم السلام) يحفظون أحاديث رسول الله(صلى الله عليه وآله) في أيّام حياته ويشدّدون في المحافظة عليها أكثر بعد وفاته(صلى الله عليه وآله) ، وفي هذا السياق يقول عليّ(عليه السلام) : «كنت إذا سألت رسول الله أعطاني ، وإذا سكتُّ ابتدأني»([4]) .
لذلك فإنّ كتب عليّ(عليه السلام) عبارة عن أحاديث سمعها من فم رسول الله الشريف وحفظها عنه ، وهذه الكتب حفظت عند أبنائه بعناوين مختلفة ، حيث إنّ الإمامين الباقر والصادق(عليهما السلام) كانا يفتيان اعتماداً على تلك الكتب ، في بعض الأوقات.([5])
ولم يكن اهتمام الإمام عليّ(عليه السلام) بكتابة أحاديث النبيّ(صلى الله عليه وآله) وحفظها فقط ، بل هو أوّل من كتب القرآن ، بحيث استمرّ على كتابته طيلة فترة نزوله وهي ثلاث وعشرون سنة ، كيف لا وهو القائل : «والله ما نزلت آية إلاّ وقد علمت فيما نزلت وأين نزلت وعلى مَنْ نزلت ، إنّ ربّي وهب لي قلباً عقولاً ولساناً طلقاً».([6])
وقال أيضاً : «سلوني عن كتاب الله فإنّه ليس من آية إلاّ وقد عرفت بليل نزلت أم بنهار ، في سهل أم في جبل».([7])
لذلك فإنّ الكتب المذكورة أغلبها هي أحاديث للنبيّ(صلى الله عليه وآله) ، وليست كتباً سماوية يلصقها الشيعة بأئمتهم كما هو المتبادر من لحن السائل ؟ وأمّا مصحف فاطمة فقد مرّ الكلام فيه في جواب سابق.([8])
وقد ذكر البخاري أسماء بعض هذه الكتب في صحيحه في باب كتابة العلم([9]) .
والعجيب هنا هو أنّ صاحب الأسئلة اعتقد أنّه وجد ثغرة في عقائد الشيعة على الرغم من كونها على العكس من ذلك تماماً ، فهي تعبّر عن اهتمام الأئمة(عليهم السلام)بسنّة النبيّ(صلى الله عليه وآله) . والكتب التي أورد أسماءها على الرغم من كون أكثرها يشير إلى كتاب واحد وعناوين له فهي واضحة في دلالتها على اهتمام أهل البيت(عليهم السلام)بالثقافة الإسلاميّة والعلوم النبويّة .
ونحن لا نلوم هذا الشخص الذي أظهر هذا العمل الثقافي الكبير
بصورة سلبيّة ، لأنّ الخلفاء أنفسهم منعوا كتابة الحديث النبويّ بعد وفاة النبيّ(صلى الله عليه وآله) ; فهذه عائشة تقول : جمع أبي الحديث عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) وكانت خمسمائة حديث فبات ليلته يتقلّب كثيراً ، قالت : فغمّني فقلت: أتتقلّب لشكوى أو لشيء بلغك ؟ فلمّا أصبح قال : أي بنيّة هلمّي الأحاديث التي عندك ، فجئته بها فدعا بنار فحرقها.([10])
وعندما ارتقى عمر بن الخطّاب منصب الخلافة، كتب إلى جميع عمّاله رسائل ، قال لهم فيها : من كتب شيئاً فليمحه.(2)
وبسبب هذه الرسائل منع حفظ حديث النبيّ(صلى الله عليه وآله) ، واُعتبرت كتابة الأحاديث مسألة تهدّد أمن الدولة يومذاك .
ولكن حينما ولي الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز (99 ـ 101 هـ) أحسّ بأنّ ترك كتابة أحاديث النبيّ(صلى الله عليه وآله) قد يتسبّب في ضياع العلوم النبويّة ، فقام بكتابة رسالة إلى «أبي بكر بن حزم» عالم المدينة آنذاك، طالباً منه كتابة أحاديث النبيّ(صلى الله عليه وآله) فقال: انظر ما كان من حديث رسول الله فاكتبه فإنّي خفت دُرُوس العلم وذهاب العلماء، ولا تقبل إلاّ حديث النبيّ(صلى الله عليه وآله)، ولتُفشوا العلم ولتجلسوا حتّى يُعلَّم من لا يعلم، فإنّ العلم لا يَهلُك حتّى يكون سرّاً.([11])
ومع ذلك لم يؤثر هذا العمل في إزالة رواسب المنع السابق فضاع الكثير من الأحاديث ، واستمرّ الوضع على تلك الحال إلى أن جاء زمن المنصور الدوانيقي سنة 143 هـ ، أي بعد قرن ونصف من الزمن ، حيث أُعيدت كتابة الحديث بشكل رسمي.([12])
ومن المسلّم به أنّ منع تدوين الحديث لمدّة تقارب القرن والنصف من الزمن ، والاعتقاد بأنّ ذكر الحديث وكتابته وحفظه هو أمرٌ مخالف لمصلحة الدولة وأمنها ، أمرٌ تترتّب عليه نتائج وخيمة ، نتركها لصاحب الأسئلة ليُجيب عنها! .
ففي هذه المدّة ـ مدّة تدوين الحديث ـ كم استفاد تجّار الحديث من الوضع والكذب على رسول الله(صلى الله عليه وآله) وخلط الغثّ بالسمين .
وأيضاً الأمر الآخر المُثير للعجب والدهشة هو محاولة جامع الأسئلة استغلال مسألة اطّلاع الأئمّة(عليهم السلام) على كتب التوراة والإنجيل وعلمهم بهما ، حيث اعتبرها أمراً سلبياً يُحسب على الشيعة مدّعياً أنّ الإسلام له كتابٌ واحد فقط وهو القرآن الكريم . . .
نعم ، الإسلام له كتاب واحد فقط وهو القرآن الكريم ، ولكن هذا لا يمنع من امتثال أمر الله تعالى بتصديق جميع الأنبياء السابقين والإيمان بكتبهم . قال الله تعالى : (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَد مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ)([13]) .
إنّ اطّلاع الأئمّة(عليهم السلام) على الكتب السماويّة الأُخرى ، أدى إلى انتصار الإسلام والمسلمين على علماء أهل الكتاب ـ إن كنت جاهلاً يا جامع الأسئلة ـ والسبب هو أنّ كتبهم قد ورد فيها ذكر اسم النبيّ الأكرم محمّد(صلى الله عليه وآله)وذِكر أوصافه ، لذلك جاء في قوله تعالى : (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ . . .)([14]) . وتفصيل ذلك واضح في مناظرات الإمام الرضا(عليه السلام)مع علماء أهل الكتاب لمَن أراد مزيد اطلاع.([15])
 
 
[1]. صحيح البخاري: 1 / 36  ، الحديث 112 من كتاب العلم، وج 8 / 38 كتاب الدّيات.
[2]. صحيح البخاري: 1 / 37 ، الحديث 114 من كتاب العلم، و4 / 31 و 66 و 85  .
[3]. سنن الترمذي: 4 / 146، برقم 2804 ; تحفة الأحوذي: 7 / 357 ; كنز العمال: 10 / 245، برقم 29305.
[4]. الطبقات الكبرى لابن سعد : 2 / 383 ; سنن الترمذي : 5 / 237، برقم 3733 .
[5]. وسائل الشيعة : 3، الباب 2 من أبواب لباس المصلي، الحديث 1 .
[6]. الطبقات الكبرى لابن سعد : 2 / 338 ; كنز العمّال : 13 / 128 .
[7]. المصدر السابق .
[8]. لاحظ جواب السؤال رقم 9، ص 49.
[9]. صحيح البخاري: 1 / 21 ، باب كتابة العلم ، الحديث 1 .
[10]. تذكرة الحفّاظ للذهبي : 1 / 5  .        2 . مسند أحمد : 3 / 13 و 15 .
[11]. صحيح البخاري: 1 / 33 ، باب كيف يقبض العلم ، الحديث 4 .
[12]. تاريخ الخلفاء : 261 .
[13]. البقرة : 285 .
[14]. البقرة : 146 .
[15]. لاحظ : الاحتجاج للطبرسي : 3 / 401 ـ 422 ، باب مناظرات الإمام الرضا(عليه السلام); وكتاب تحف العقول حيث أورد «الحرّاني» نماذج من علم الأئمّة بزبور داود وصحف إبراهيم والتوراة .