الأجوبه الهاديه الي سواء السبيل
مشاهدات:351

رجوع الأنصار إلى بيعة أبي بكر


لقد نازع الأنصار أبا بكر ودعوا إلى بيعة سعد بن عبادة ، وقعد عليّ(عليه السلام)في بيته لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ، فلا يخلو رجوع الأنصار كلّهم إلى بيعة أبي بكر من أن يكون بسبب من الأسباب التالية :
1 ـ أن يكون بالقوّة .
2 ـ أن يكون عن ظهور حقّ أبي بكر بالخلافة ، فأوجب ذلك الانقياد لبيعته .
3 ـ أو فعلوا ذلك لغير معنى ، ولا سبيل إلى قسم رابع ، ولأنّ القسمين الأوّل والثالث واضحا البطلان ، فتتعيّن صحّة القسم الثاني .
الجواب :المعروف أنّ الكذوب لا ذاكرة له، فقد قال في سؤال متقدم([1]) أنّ الجميع قد بايع الخليفة الأوّل ، ولكنّه هنا يعترف أنّ الأنصار نازعوا أبا بكر . والأعجب من هذا أنّه هنا في بدء السؤال يذكر أنّ الأنصار نازعوا أبا بكر ، ثمّ إنّه في آخره يقول: فلا يخلو رجوع الأنصار إلى بيعة أبي بكر....
يذكر التاريخ : أنّ من بايع أبا بكر يوم السقيفة هو رئيس «الأوس» فقط ، لأنّ «الأوس» كانوا يعتقدون أنّه إذا استلمت «الخزرج» الخلافة فلن يكون لهم حظّ منها، وأنّ الفضل والشرف سيكون من نصيب «الخزرج» ، ولذلك قام زعيم الأوس وبايع أبا بكر ، كما بايع شخص واحد من الخزرج يُدعى بشير بن سعيد وهو ابن عمّ لسعد بن عبادة وكان بينهما عداوة ، فبايع أبا بكر نكايةً بابن عمّه.([2])
فإذا كان الحال هكذا ، فكيف يمكن القول : إنّ جميع الأنصار قد بايعوا ؟!
والملاحظ أنّ جامع الأسئلة من الانترنت يصور للقارئ أنّ الجوّ الذي كان يسود السقيفة كان هادئاً وديمقراطياً ـ كما يقال الآن ـ ، وأنّ الحاضرين في ذلك المجلس شاركوا فيه بلا قهر وقسر لانتخاب أبي بكر للخلافة! .
والحقيقة أنّ صاحب هذا الكلام لم يقرأ صفحة واحدة من تاريخ سقيفة بني ساعدة وأحداثها .
كتب غير واحد من المؤرخين أنّه عندما كان المهاجرون مشتغلين بتغسيل رسول الله وتكفينه ، كان الأنصار قد اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة ، على انتخاب خليفة في وقت يغيب فيه المهاجرون ، وبينما هم كذلك ، وإذا بشخصين من المعارضين لسعد بن عبادة (الذي كان مرشّح الأنصار للخلافة) وهما «معن بن عدي» و«عويم بن ساعدة» توجّها إلى أبي بكر وقالا له : إنّ نطفة الفتنة تنعقد الآن ، وأنّ الأنصار قد اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة لمبايعة سعد بن عبادة ، فسارع أبو بكر بمعيّة عمر وأبو عبيدة إلى السقيفة من دون أن يخبروا بقيّة المهاجرين بذلك ، ونسوا رسول الله(صلى الله عليه وآله)وما يتعلّق بشأن تغسيله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه ، وعندما دخلوا السقيفة وجدوا سعد بن عبادة يخطب قائلاً : يا معشر الأنصار لكم سابقة في الدِّين وفضيلة في الإسلام ليست لقبيلة من العرب ، أنّ محمّداً (صلى الله عليه وآله وسلم)لبث بضع عشر سنة في قومه يدعوهم إلى عبادة الرحمن وخلع الأنداد والأوثان فما آمن به من قومه إلاّ رجال قليل ، وكان ما كانوا يقدرون على أن يمنعوا رسول الله ولا أن يعزّوا دينه ولا أن يدفعوا عن أنفسهم ضيماً عموا به ، حتّى إذا أراد بكم الفضيلة ساق إليكم الكرامة ، وخصّكم بالنّعمة فرزقكم الله الإيمان به وبرسوله ، والمنع له ولأصحابه والإعزاز له ولدينه ، والجهاد لأعدائه ، فكنتم أشدّ الناس على عدوّه منكم ، وأثقله على عدوّه من غيركم حتّى استقامت العرب لأمر الله طوعاً وكُرهاً ، وأعطى البعيد المقادة صاغراً داخراً ، حتّى أثخن الله عزّ وجلّ لرسوله بكم الأرض ودانت بأسيافكم له العرب وتوفّاه الله . وهو عنكم راض وبكم قرير، استبدّوا بهذا الأمر دون الناس. فأجابوه بأجمعهم أنْ قد وفقت في هذا الأمر.
فقام أبو بكر وقال : خصّ الله المهاجرين الأوّلين من قومه بتصديقه والإيمان به والمواساة له والصبر معه على شدّة أذى قومه له وتكذيبهم إيّاه وكلّ الناس له مخالف ، زَار عليهم، فلم يستوحشوا لقلّة عددهم وشنف الناس لهم وإجماع قومهم عليهم، فهم أوّل مَن عبد الله في الأرض وآمن بالله وبالرسول وهم أولياؤه وعشيرته وأحقّ الناس بهذا الأمر من بعده ، ولا ينازعهم ذلك إلاّ ظالم . وأنتم يا معشر الأنصار مَنْ لا يُنكَر فضلهم في الدِّين ولا سابقتهم في الإسلام ، رضيكم الله أنصاراً لدينه ورسوله ، وجعل إليكم هجرته وفيكم جُلّة أزواجه وأصحابه ، فليس بعد المهاجرين الأوّلين عندنا بمنزلتكم ، فنحن الأُمراء وأنتم الوزراء ، لا تفتاتون بمشورة ولا نقضي دونكم الأُمور .
ثمّ جاء في كلامه ما أثار النعرة العصبيّة في قبيلتي الأوس والخزرج، وعندما انتهى أبو بكر من كلامه قام حبّاب بن المنذر الصحابي البدري من جهة الأنصار وقال : يا معشر الأنصار املكوا عليكم أمركم فإنّ الناس في فيئكم وفي ظِلّكم ، ولن يجترئ مجترئ على خلافكم ولن يصدر الناس إلاّ عن رأيكم ، أنتم أهل العزّ والثروة وأُولي العدد والمنعة والتجربة، ذوو البأس والنجدة ، وإنّما ينظر الناس إلى ما تصنعون ولا تختلفوا فيفسد عليكم رأيكم وينتقض عليكم أمركم ، فإن أبى هؤلاء إلاّ ما سمعتم فمنّا أميرٌ ومنكم أمير.
فقال عمر : هيهات لا يجتمع اثنان في قرن والله لا ترضى العرب أن يؤمّروكم ونبيّها من غيركم ولكن العرب لا تمتنع أن تولّي أمرها من كانت النبوّة فيهم ووليّ أُمورهم منهم ، ولنا بذلك على من أبى من العرب الحجّة الظاهرة ، والسلطان المتين ، من ذا ينازعنا سلطان محمّد وإمارته ، ونحن أولياؤه وعشيرته إلاّ مدل بباطل أو متجانف لإثم أو متورّط في هلكة .
فقام حبّاب بن المنذر ـ مرة ثانية ـ فقال : يا معشر الأنصار أملكوا على أيديكم ولا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر فإن أبَوا عليكم ما سألتموه فاجلوهم عن هذه البلاد وتولّوا عليهم هذه الأُمور ، فأنتم والله أحقّ بهذا الأمر منهم ، فإنّه بأسيافكم دان لهذا الدِّين مَن دان ، ممّن لم يكن يدين ، أنا جذيلها المحكك وعُذيقها المرجّب ، أما والله لئن شئتم ليغدونّها جذعة .
فقال عمر : إذن يقتلك الله! قال الحبّاب : بل إيّاك يقتل!
فقال أبو عبيدة : يا معشر الأنصار إنّكم أوّل من نصر وآزر فلا تكونوا أوّل من بدّل وغيّر . فقام بشير بن سعد بن بشير من الخزرج فقال : يا معشر الأنصار إنّا والله لئن كنّا أُولي فضيلة في جهاد المشركين ، وسابقة في هذا الدِّين ، ما أردنا به إلاّ رضا ربّنا وطاعة نبيّنا والكدح لأنفسنا ، فما ينبغي لنا أن نستطيل على الناس بذلك ، ولا نبتغي به من الدُّنيا عرضاً فإنّ الله وليّ المنّة علينا بذلك ، ألا إنّ محمّداً(صلى الله عليه وآله) من قريش وقومه أحقُّ به وأولى ، وأيم الله لا يراني الله أُنازعهم هذا الأمر أبداً فاتّقوا الله ولا تخالفوهم ولا تنازعوهم .
وإنّما قال بشير بن سعد هذا الكلام لأنّه كان يحسد ابن عمّه سعد بن عبادة .
فقال له حبّاب بن المنذر : يا بشير بن سعد عققت عقاقِ ما أحوجك إلى ما صنعت ، أنفِسْت على ابن عمّك الإمارة ، فقال : لا والله ، ولكنّي كرهت أن أنازع قوماً حقّاً جعله الله لهم .
ولمّا رأت الأوس ما صنع بشير بن سعد وما تدعو إليه قريش وما تطلب الخزرج من تأمير سعد بن عبادة ، قال بعضهم لبعض وفيهم أُسيد بن حضير وقال : والله لئن وليتها الخزرج عليكم مرّة لا زالت لهم عليكم بذلك الفضيلة ، ولا جعلوا لكم معهم فيها نصيباً أبداً ، فقوموا فبايعوا أبا بكر .
فقام حبّاب وانتضى سيفه وقال : أنا جُذيلها المحكك وعذيقها المرجّب، أنا أبو شبل في عرينة الأسد يعزى إلى الأسد .
فحامله عمر فضرب يده ، فندر السيف فأخذه ثمّ وثب على سعد ، ووثبوا على سعد ، وتتابع القوم على البيعة . وأقبل الناس من كلّ جانب وكادوا يطؤون سعد بن عبادة . فقال ناس من أصحاب سعد : اتّقوا سعداً لا تطؤوه وكان مريضاً ، فقال عمر : اقتلوه قتله الله! ثمّ قام على رأسه فقال : لقد هممت أن أطأت حتّى تندر عضوك ، فأخذ سعد بلحية عمر وقال : والله لو حصصت منه شعرة ما رجعت وفي فيك واضحة (أسنانك) ، فقال أبو بكر: مهلاً يا عمر، وقال سعد: أما والله لو أنّ بي قوّة ما أقوى على النهوض لسمعت منّي في أقطارها وسككها زئيراً يحجرك وأصحابك ، أما والله إذن لألحقنّك بقوم كنت فيهم تابعاً غير متبوع ، احملوني من هذا المكان ، فحملوه فأدخلوه في داره .
واكتفى المهاجرون بهذه البيعة التي تمّت في السقيفة ثمّ توجّهوا إلى المسجد ، وأخذوا البيعة من المسلمين  .
ولكن في مقابل هذا النصر الذي حقّقه المهاجرون على الأنصار ، فإنّ هناك معضلةٌ اُخرى كانت تواجههم وهي اجتماع 18 شخصاً من بني هاشم في بيت فاطمة(عليها السلام)ومعهم طلحة والزبير وعمّار والمقداد وسلمان . . . رافضين البيعة إلاّ لعليّ(عليه السلام) .([3])
من خلال هذا البيان التاريخي تتّضح النقاط التالية :
1 ـ أنّ الشيء الذي طُرح في السقيفة لم يكن في خدمة مصالح الإسلام والمسلمين ، بل الذي طُرح يتمثّل في أنّ كلّ فريق يسعى لتحقيق مصالحه ومنافعه الخاصّة ، وكلٌّ يسحب ناقة الخلافة إلى جهته ، فالأنصار احتجّوا بنصرتهم للرسول(صلى الله عليه وآله) ، والمهاجرون احتجّوا بانتسابهم للنبيّ(صلى الله عليه وآله) ، ولكن الشيء الذي لم يُطرح في هذه الأثناء هو ما أراده الله ورسوله ومصالح الإسلام الكبرى .
2 ـ في الحقيقة أنّه لم يبايع أبا بكر في السقيفة سوى أربعة أشخاص ; اثنان من المهاجرين ، وهما: عمر وأبو عبيدة ، واثنان من الأنصار وهما: بشير ابن سعيد من الخزرج وأُسيد بن حضير رئيس الأوس . أمّا البقيّة فلم ينتخبوا أحداً ; لأنّ رأي شيخ القبيلة ناب عن رأي الجميع .
3 ـ ما وقع في السقيفة يحكي على أنّ البيعة لم تكن قد وقعت في ظروف طبيعيّة ، بل في ظروف متشنجة جدّاً ، وأنّ أخذ البيعة من الأشخاص كان تحت التهديد والإرهاب وسل السيف، ووطء للشخصيات ([4]) .
وأخيراً أخذت هذه البيعة شكلاً رسمياً وتمّ اغتيال سعد بن عبادة زعيم الخزرج لرفضه لها، بواسطة الجنّ! ولُقِّب بـ «قتيل الجنّ»! .
لماذا لم يخلّف الخليفتان أولادهما كما فعل علي(عليه السلام)؟      
والطبري نقل رأي عمر بن الخطّاب في تلك السقيفة حيث قال : «كانت فلتة من فلتات الجاهليّة» يعني عملاً من أعمال الجاهليّة ، وصرّح لاحقاً أيضاً بقوله : «كانت بيعة أبي بكر فلتة ، وقى الله شرّها المسلمين» يعني أنّ بيعة أبي بكر لم تكن أمراً لائقاً ، وقد أبعد الله عنّا شرّها .([5])
 
[1]. انظر: أسئلة قادت شباب الشيعة: 6، السؤال رقم 78 .
[2]. تاريخ الطبري : 2 / 458 ،طبعة الأعلمي ـ بيروت .
[3]. تاريخ الطبري: 2 / 455 ـ 460 ; الكامل لابن الأثير: 2 / 137 ; عقد الفريد: 249 .
[4]. النكتة الجديرة بالذِّكر هنا هي أنّنا قد أشرنا إلى مجريات «السقيفة» بشيء من التهذيب والتلطيف لما ذكر عنها في المصادر التاريخية.
[5]. صحيح البخاري: 8 / 26 ; تاريخ الطبري: 2 / 446 ; الكامل في التاريخ: 2 / 327 .