الأجوبه الهاديه الي سواء السبيل
مشاهدات:328

يعتقد الشيعة عقيدة البداء ، ثمّ يدّعون أنّ أئمّتهم يعلمون الغيب! فهل الأئمّة أعظم من الله ؟


الجواب :يدعي جامع الأسئلة أنّه يريد هداية شباب الشيعة ، ومصدر تهمته هذه هو كتاب شيخه ناصر القفاري ([1]) الذي يُعدّ أحد مفكّري ومنظّري الوهابية، فهل يصحّ الاعتماد على قول شخص معاد في حق فرقة من فرق المسلمين .
إنّ كتاب القفاري مليء بالسبّ والشتم الذي تعلّمه من سلفه ابن تيميّة ، وهو عبارة عن جملة من الافتراءات ، ونحن هنا ننقل نموذجاً منها:
يقول : إنّ الخميني أدخل اسمه في أذان الصلاة وقدمه على الشهادتين([2]) .
إنّ شخصاً يبلغ هذا الحدّ من الوقاحة والكذب والافتراء ، كيف يحق لجامع الأسئلة أن يتخذه مرجعاً ومصدراً يعتمد عليه!!
ولنترك هذا وننتقل إلى المطلبين اللّذين ذكرهما ، والظاهر أنّه لا علاقة بينهما ، فذكر أنّ :
1 ـ الشيعة يعتقدون بالبداء .
2 ـ أئمّة الشيعة يعلمون الغيب .
وخرج إلى نتيجة وهي : أنّ أئمّة الشيعة أعظم من الله (نعوذ بالله) !
وهنا نوضح كلا النقطتين :
1. أما البداء:
فمعناه أنّه ليس للإنسان مصير قطعي لا يتبدّل ولا يتغيّر، بل أنّ مصيره يتبدّل بصالح الأعمال وطالحها، فرب إنسان كتب عليه ـ حسب أعماله ـ أنّه من أهل النار لكنه يستطيع أن يغيّر مصيره بالأعمال الصالحة ويكتب عليه أنّه من أهل الجنة، وهكذا العكس، ويدل عليه قوله سبحانه: (يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ)([3]) .
وحاصل البداء تغيير مصير الإنسان في شؤونات مختلفة بأعماله الحسنة والسيئة، وهذا أمر اتفق عليه عامّة المسلمين، روى جلال الدِّين السيوطي في كتابه «الدر المنثور» روايات عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) تتحدّث عن تبدّل قسم من التقدير الإلهي بسبب الأعمال الحسنة للإنسان ، أمثال برّ الوالدين والصدقة وصِلة الرحم وغيرها ، والحديث المعروف «الصدقة تدفع البلاء» يشير إلى هذا المعنى.([4])
و«البداء» بهذا المعنى هو مورد قبول جميع المسلمين ، ويستحيل أن يكون سبباً في وصف الله بالجهل (حاشا لله) ، وكنموذج للتوضيح : فإنّ قوم يونس(عليه السلام)بسبب عدم إيمانهم استحقّوا العذاب ، وكان نبيّهم «يونس» قد اطّلع على نزول العذاب عليهم ، فخرج عنهم وتركهم ، إلاّ أنّ قومه لما رأوا طلائع العذاب خرجوا إلى الصحراء متضرّعين ومبتهلين بالدعاء والبكاء معلنين توبتهم إلى الله تعالى ، فقبل الله توبتهم وكشف عنهم العذاب ، قال تعالى : (فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِين)([5]) .
وقد كان نزول العذاب على قوم يونس مقرّراً ولكن وقع «البداء» أي «بدا لله أن لا يعذّبهم» وهذا تعبير مجازي بكلّ تأكيد ، يعني أنّ الناس العاديّين الذين لا يعلمون الماضي والمستقبل يعتقدون أنّ الله تراجع في رأيه وبدّل إرادته ، والحال أنّه لم يقع تبديل ، وفي الحقيقة أبدى للناس ما أخفاه وكشف السِّتار عن الحقيقة ، فليس «بداء» وإنّما هو «إبداء» وإظهار لشيء كان مختفياً عن الآخرين ، لكنّه كان معلوماً عند الله من الأزل بأنّ هؤلاء القوم سوف يتوبون ويرتفع عنهم العذاب.
وأمّا أنّهم لماذا يقولون «بدا لله» ؟
فالجواب : أنّه بسبب الاقتداء بالنبيّ(صلى الله عليه وآله) الذي استعمل كلمة «بدا لله» في هذا المورد ، وهو ما نقله البخاري في صحيحه في حديث طويل نكتفي بنقل صدره فقط :
عن أبي هريرة أنّه سمع رسول الله(صلى الله عليه وآله) يقول : «إنّ ثلاثة من بني إسرائيل ; أبرص وأقرع وأعمى بدا لله أن يبتليهم فبعث إليهم ملكاً . . .»([6]) .
ويقرب من هذا الحديث ما ذكروه في باب التوسّل بالعمل الصالح، حيث ينقلون عن النبيّ(صلى الله عليه وآله) أنّه دخل ثلاثة أشخاص إلى غار فراراً من المطر ، وفجأةً أتى حجر كبير وأغلق باب الغار ، فقالوا لبعضهم البعض : والله لن ينجو منّا أحد إلاّ إذا توسّل بعمل صالح عمله ، فكلّ من عنده عمل صالح فليتوسّل به إلى الله تعالى حتّى يُنجيه من الموت . . .
إلى هنا ظهر أنّ الاعتقاد بـ «البداء» ليس معناه نسبة الجهل إلى الله تعالى ، فالله عالم مطلق ، لا طريق للجهل إلى ساحته المقدّسة ، إلاّ أنّ أغلب الناس الذين ينظرون إلى ظاهر القضايا دون باطنها، وإذا فوجئوا بخلاف ما كانوا يترقبّون يقولون «بدا لله» وهذا نوع من الاستعمال المجازي من وجهة نظر الإنسان ، أمّا من جهة الله تعالى وهو العالم بالظاهر وما سيقع في المستقبل فهو بالنسبة إليه إبداء أي إظهار للناس خلاف ما كانوا يترقبونه، الذي أجرى الحوادث على هذا النحو بحيث تكون خافية على الناس في أوّل الأمر ثمّ يطلعهم عليها لاحقاً .
2. علم الأئمة بالغيب
إذا قلنا إنّ الأئمّة يعلمون الغيب فليس معناه أنّهم أعلم من الله تعالى ـ حاشا لله ـ لأنّ الاعتقاد بـ «البداء» غير مستلزم لنسبة الجهل إلى الله ، حتّى نتصوّر تلك الأفضليّة ، ولنترك هذا ، فعلم الإمام بالغيب غير قابل للمقارنة والمقايسة أصلاً بعلم الله تعالى ; فعلم الله بالغيب علمٌ مطلق ، أمّا علم الإمام فمحدود ، وأيضاً فإنّ علم الله بالغيب هو أمرٌ ذاتيّ (لا ينفكّ عنه بحال من الأحوال) ، أمّا علم الإمام فهو علمٌ اكتسابي من الله تعالى .
إلى غير ذلك من الفروق بين العلمين، وفي الحقيقة علمهم بالغيب عبارة أُخرى عن تعلّمهم من ذي علم، كما صرح بذلك الإمام (عليه السلام)في بعض خطبه.([7])
 
[1]. أُصول مذهب الشيعة الإمامية: 1 / 131 ـ 151 .
[2]. المصدر السابق: 3 / 1154، والقفاري استشهد بكلام لموسى الموسوي.
[3]. الرعد : 39 .
[4]. الدرّ المنثور : 6 / 661 .
[5]. يونس : 98 .
[6]. صحيح البخاري : 4 / 172، كتاب أحاديث الأنبياء ، الحديث 3465 ; وكتاب البيوع، الحديث 2215 .
[7]. عندما أخبر (عليه السلام)عن الملاحم بالبصرة، قال بعض أصحابه: لقد أُعطيتَ يا أمير المؤمنين علم الغيب فأجابه قائلاً: يَا أَخَا كَلْب، لَيْسَ هُوَ بِعِلْمِ غَيْب، وَإِنَّمَا هُوَ تَعَلُّمٌ مِنْ ذِي عِلْم. نهج البلاغة: الخطبة 128.