الأجوبه الهاديه الي سواء السبيل
مشاهدات:95

المهدي المنتظر «حق» عند علماء السلفيين


ملخص:
نشرت صحيفة عكاظ السعودية في يوم السبت 16 رجب 1437 مقالة بعنوان (فتوى سلفية حنبلية «المهدي المنتظر» خرافة) بقلم شخص يدعى عبدالله الرشيد، كان قد قدم نفسه على أنه باحث وكاتب سعودي. وقد حاول الرشيد بنقله لبعض المحتويات من كتاب عبدالله بن زيد آل محمود المفتي السابق لدولة قطر المسمى «لا مهدي يُنتظر بعد الرسول محمد خير البشر» في هذا الصدد الإيحاء بأن السلفية لا تقول بالإمام المهدي(عج).
تستند هذه المقالة إلى كتاب العلامة العباد أحد علماء السلفية، يفند به كتاب عبدالله بن زيد، ويثبت فيه أنَّ لدى السلفية اعتقاد قوي وراسخ بالإمام المهدي(عج)، وأنَّ عبدالله بن زيد قد أعطى رؤية شاذة ومحدودة، لم يكن أحد من السلفيين يعتقد بها.
كلمات رئيسية:
الإمام المهدي(عج) – الاعتقاد بالمهدي – السلفية – صحيفة عكاظ – عبدالله الرشيد – عبدالمحسن العباد.
 
المقدمة:
يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى‏ أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى‏ وَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبيرٌ بِما تَعْمَلُون‏ (المائدة: 8)
دعا "الله" تعالى الإنسان إلى مراعاة العدالة وأن لا يجعل أعمال الآخرين السيئة تخرجه عن جادة الحق والصواب. وإذا كانت هناك مجموعات مثل الجهيمان خلقت مشكلة في المسجد الحرام، ذلك لا يعني أنَّ اللائق بكاتب يدعي أنه من أهل البحث والتحقيق أن يطلق لقلمه العنان مبتعداً عن قول الحق والصدق من أجل التطرف وأن يجعل ذلك حجة لإنكار أصل الاعتقاد بالمهدي(عج). وإذا كان مثل هذا النهج صحيحاً نظراً لإدعائات فرعون الكاذبة (فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى «النازعات: 24») إذن كان يجب التوقف عن الاعتقاد بالتوحيد والقيام بكتابة موضوع حول ذلك!
لكن الواضح أن المسلم يتبع الأدلة في اعتقاداته وليس أعمال قبيحة لأشخاص سماسرة وانتهازيين. وكان الأولى بشخص يسمي نفسه باحث وكاتب، قبل أن يطلق العنان لقلمه وينسب «الخرافة» للمهدي المنتطر(عج) أن يتوقف قليلاً عند دلائل الطرفين وإلا أصبح مقلداً و ناقلاً، لا باحثاً وكاتباً.
الموضوع الذي كتبه عبدالله الرشيد في صحيفة عكاظ، عبارة عن نقل بعض المواضيع  من كتاب الشيخ ابن محمود ليس إلا، و لم يتم التطرق إلى الردود على الادعاءات التي طرحها ابداً.
إنَّ تسمية حديث شخص ما «فتوي للسلفية»، أمر مخالف للواقع قطعاً، لأن المذكور لديه اعتقاد شاذ ومحدود والأغلبية العظمى من السلفيين يعتقدون بالمهدي(عج)، وقد أجابوا على انتقادات منكريه.
والرشيد ذاته يعترف هنا أنَّ كتباً عديدة نظمت في الرد على كتاب ابن محمود «لا مهدي يُنتظر بعد الرسول محمد خير البشر»؛ إلا أنَّه لم يشر إلى تلك الردود مطلقاً.
في المقالة العلمية، لابدَّ من عرض أدلة الطرفين لكي يصل القارئ إلى نتيجة تؤكد صحة كلام أحد الطرفين، وفي غير هذه الحالة فهي حتماً مجرد مقالة غرضها الدعاية والوصول لهدف معين خطط له من قبل. وحول موضوع الإمام المهدي(عج) أيضاً عندما يذكر دليل لإنكاره، فإنه يجب ذكر رد الطرف المعتقد بالمهدي حتى يَحكم القارئ إذا ما كان الإيمان بالمهدي «حق» أو «خرافة».
المهدي عند السلفية حق
الإيمان بالمهدي هو من أحد المواضيع التي كتب عنها أشخاص بارزين مثل عبدالمحسن بن حمد العباد الأستاذ في الحرم النبوي والجامعة الإسلامية والذي نطم كتاب بعنوان «عقيدة أهل السنة والأثر في المهدي المنتظر».
لاقى كتاب العباد تأييد الشيخ بن باز لدرجة أنَّه قام قبل انتهاء الكتاب بكتابة مقدمة أعرب فيها عن «القيمة الواسعة فلقد أجاد فيها وأفاد واستوفى المقام حقاً».
والمثير للاهتمام أنَّ الشيخ بن باز قد كتب فيها«فيما يتعلق بالمهدي المنتظر مهدي الحق» ذلك يعني أنَّ الشيخ عبدالعزيز بن باز يؤمن أنّ المهدي حق خلافاً لعنوان مقالة الرشيد الذي اعتبر فيها أنَّ المهدي خرافة.
يكتب عبدالمحسن العباد في الأشخاص الذين كتبوا حول إنكار المهدي(عج)، فيقول: «أن بعض الكتاب في هذا العصر أقدم على الطعن في الأحاديث الواردة في المهدي بغير علم بل بجهل أو بالتقليد لأحد لم يكن من أهل العناية بالحديث». نظم العباد كتابه في عشرة أجزاء جاءت على النحو التالي:
«الأول: ذكر أسماء الصحابة الذين رووا أحاديث المهدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. الثاني: ذكر اسماء الأئمة الذين خرجوا الأحاديث والآثار الواردة في المهدي في كتبهم. الثالث: ذكر الذين أفردوا مسألة المهدي بالتأليف من العلماء. الرابع: ذكر الذين حكوا تواتر أحاديث المهدي وحكاية كلامهم في ذلك. الخامس: ذكر بعض ما ورد في الصحيحين من الأحاديث التي لها تعلق بشأن المهدي. السادس: ذكر بعض الأحاديث في شأن المهدي الواردة في غير الصحيحين مع الكلام عن أسانيد بعضها. السابع: ذكر بعض العلماء الذين احتجوا بأحاديث المهدي واعتقدوا موجبها وحكاية كلامهم في ذلك. الثامن: ذكر من وقفت عليه ممن حكى عنه إنكار أحاديث المهدي أو التردد فيها مع مناقشة كلامه باختصار. التاسع: ذكر بعض ما يظن تعارضه مع الأحاديث الواردة في المهدي والجواب عن ذلك. العاشر: كلمة ختامية في بيان أن التصديق بخروج المهدي في آخر الزمان من الإيمان بالغيب».
والنقطة الأهم هي أنَّ العلامة العباد لديه كتاب بعنوان «الرد علي من كذب بالأحاديث الصحيحة الواردة في المهدي» جاء بالتحديد رداً على كتاب ابن محمود وكان الجدير بالرشيد أن يشير إليه. يقول الشيخ العباد حول كتاب ابن محمود: «نحا فيها منحى بعض الكتاب في القرن الرابع عشر ممن ليست لهم خبرة بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعرفة صحيحة وسقيمة وفيه من تعويله على الشبهات العقلية وكذب بكل ما ورد في المهدي وقال كما قالوا إنها أحاديث خرافة وأنها وأنها... إلخ وقد رأيت كتابة هذه السطور مبيناً أخطاءه وأوهامه في هذه الرسالة وموضحاً أن القول بخروج المهدي في آخر الزمان هو الذي تدل عليه الأحاديث الصحيحة وهو ما عليه العلماء من أهل السنة والأثر في القديم والحديث إلا من شذ».
أشار الأستاذ العباد في هذا الكتاب إلى سعي علماء السلفية لإثبات وجود المهدي(عج)، بما في ذلك يكتب: «فأوضح بعض العلماء في الإذاعة والصحف صحة كثير من الأحاديث الواردة في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنهم سماحة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز رئيس إدارات البحوث العلمية والدعوة والإرشاد، فقد تحدث في الإذاعة وكتب في بعض الصحف مبينا ثبوت ذلك بالأحاديث المستفيضة الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم».
على القراء الأعزاء مراجعة كتاب الشيخ العباد بغية اكتشاف ومعرفة الرد على ادعاءات ابن محمود. ونذكر هنا رداً موجزاً من الشيخ العباد لبعض محتويات كتاب ابن محمود كان الرشيد قد جاء على ذكرها.
المسألة الأولى:
ينقل الرشيد عن ابن محمود: «مسألة المهدي ليست في أصلها من عقائد أهل السنة القدماء٬ فلم يقع لها ذكر بين الصحابة في القرن الأول ولا بين التابعين وأن أصل من تبنى هذه الفكرة والعقيدة هم الشيعة، فسرت هذه الفكرة بطريق المجالسة والمؤانسة والاختلاط إلى أهل السنة فدخلت في معتقدهم وهي ليست من أصل عقيدتهم».
يقول العلامة العباد في الرد: «والجواب أن الأحاديث الكثيرة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي خروج المهدي في آخر الزمان قد تلقاها عنه الصحابة رضي الله عنهم وتلقاها عنهم التابعون فكيف يقال أنه لم يكن لذلك ذكر بين الصحابة في القرن الأول ولا بين التابعين، وقد قال الشوكاني في كتابه التوضيح في تواتر ما جاء في المهدي والدجال والمسيح كما في كتاب الإذاعة لصديق حسن خان: "والأحاديث الواردة في المهدي التي أمكن الوقوف عليها منها خمسون حديثا فيها الصحيح والحسن والضعيف المنجبر وهي متواترة بلا شك ولا شبهة بل يصدق وصف المتواتر على ما هو دونها في جميع الاصطلاحات المحررة في الأصول وأما الآثار عن الصحابة المصرحة بالمهدي فهي كثيرة جداً لها حكم الرفع إذ لا مجال للاجتهاد في مثل ذلك"».
المسألة الثانية:
ينقل الرشيد عن ابن محمود: «حتى لو صدقنا الأحاديث الواردة في المهدي، فهو ليس بملك معصوم، ولا نبي مرسل، ما هو إلا رجل عادي، كأحد أفراد الناس إلا أنه عادل، وكل الأحاديث الواردة فيه ضعيفة ويترجح أنها موضوعة على لسان رسول الله ولم يحدث بها».
يكتب العلامة العباد في الرد: «والجواب: أن أهل السنة والجماعة يقولون بتصديق الأحاديث الصحيحة الواردة في المهدي لثبوتها عن الرسول صلى الله عليه وسلم وهو عندهم غير معصوم وما هو إلا رجل كأحد الناس إلا أنه عادل يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً ولو قال بذلك الشيخ ابن محمود لكان على منهج أهل السنة والجماعة المتبعين لما صحت به الأحاديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم لكنه قلد بعض كتاب القرن الرابع عشر الذين حكَّموا العقول في النقول فحادوا عن جادة الصواب أمثال أحمد أمين ومحمد فريد وجدي ومن على شاكلتهما أما قوله: "وكل الأحاديث الواردة فيه ضعيفة ويترجح بأنها موضوعة على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يحدث بها" فليس له فيه سلف في الماضين حتى ابن خلدون فإنه لم يقل بتضعيفها كلها كما سبق إيضاح ذلك ولكن مثل هذا الكلام من مجازفات وتخرصات بعض كتاب القرن الرابع عشر نعوذ بالله من الخذلان».
المسألة الثالثة:
ينقل الرشيد عن ابن محمود: «لا يجب الإيمان الجازم بخروجه، فليس من عقيدة المسلمين الإيمان به، ليست كالإيمان بالرب والملائكة والبعث والجنة والنار، فهذه كلها أثبتها القرآن وصحيح السنة، وليس منها الإيمان بالمهدي... والحاصل أنه يجب طرح فكرة المهدي ونبذها، وعدم اعتقاد صحتها، وعندنا كتاب الله نستغني عنه من كل بدعة، واتباع كل مبتدع مفتون... فلا نفع للمسلمين أن يهربوا من واقعهم، ويتركوا واجباتهم لانتظار مهدي مجهول، فيركنوا إلى الخيال والمحالات، ويستسلموا للأوهام والخرافات».
يكتب العلامة العباد في الرد: «أقول: إن الله قد تكفل ببقاء هذا الدين وأن الموفقين لسعادة الدنيا والآخرة في مختلف العصور من جعلهم الله من أنصار دينه وفي صحيح البخاري من حديث معاوية رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم والله يعطي ولا تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله"، فلا يخلو عصر من العصور من إقامة شرع الله. والمهدي الذي أَخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم ما هو إلا حلقة في أواخر سلسلة طويلة ينصر الله به في زمنه دينه. ذلك الزمن الذي يستشري فيه الشر ويخرج الدجال الأعظم، وليس للمسلمين في أي زمن أن يتركوا ما أوجبه الله عليهم من نصرة الدين اتكالا على ما جاء في أحاديث المهدي أما وصف الشيخ ابن محمود، التصديق بخروج المهدي بأنه ركون إلى الخيال والمحالات واستسلام للأوهام والخرافات فسبق أن ذكرت أن هذه المسألة من الأمور الغيبية وقد أخبر الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم في أحاديث صحيحة عن خروجه في آخر الزمان والواجب التصديق بكل خبر يثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم.
وأما ما تضمنه بقية كلامه من العتب على العلماء في بيانهم ما تضمنته النصوص من التصديق بشخص يأتي في آخر الزمان فإن واجب العلماء أن يكون كلامهم وبيانهم مبنياً على الأدلة الشرعية الثابتة لا على شبه عقلية واهية وهذا هو ما قام به علماء هذه الأمة سواء في الأخبار أو الأحكام».
وفي النهاية فإن الإجابات المفصلة على كلام ابن محمود والرشيد، أو بيان آراء وردود العلماء الآخرين الرافضة لكتاب ابن محمود، مثل ردود الشيخ حمود بن عبدالله التويجري في كتاب «الاحتجاج بالاثر علي من أنكر المهدي المنتظر» الذي أشار إليه الرشيد، جديرة بالذكر، إلا أننا وجدنا أن نكتفي بذكر هذا المقدار من النص من أجل الاختصار، وأنَّ ذلك يعدَّ كافياً من أجل توضيح الحقيقة للقراء.
 
"هدى الله الجميع إلى الصراط المستقيم وأنجاهم من الخطأ والضلالة"
مدينة قم المقدسة – جواد الجعفري